سياسة / ملفات خاصة 25-11-2025, 20:08 | --
+A -A

جيل سياسي بديل


هل نقترب من لحظة إعادة التأسيس؟.. تسوية كبرى بوجوه جديدة تلوح على طاولة الرئاسات

بغداد اليوم - بغداد

بعد أن قلب قرار المحكمة الاتحادية معادلة إدارة الدولة، تحولت الأنظار إلى ما يجري خلف الستار من مفاوضات تسعى لترسيم ملامح السلطة القادمة وسط حالة عدم يقين متصاعدة. وفي إطار الحسابات المتشابكة يبرز تعبير جديد دخل القاموس السياسي العراقي هو "حزمة الدماء الجديدة"، الذي استخدمه النائب السابق فوزي اكرم لوصف احتمال لجوء القوى السياسية الى خيار تبديل شامل في الرئاسات الثلاث، في محاولة لتفادي انفجار الخلافات التقليدية على الأسماء المتكررة واستيعاب ضغط الشارع والازمة السياسية والمالية في آن واحد.

يقول اكرم في حديثه لـ"بغداد اليوم" ان حوارات تشكيل الحكومة المقبلة بدأت فعليا منذ مطلع الأسبوع، وان وتيرتها تتصاعد عبر سلسلة لقاءات داخل الاطار التنسيقي ومع قوى أخرى، لكن المضمون الحقيقي لهذه الحوارات لا يتعلق فقط باسم رئيس الوزراء المقبل، بل بشكل الصفقة الكاملة التي سترسم طبيعة "الحزمة" التي يريدها اللاعبون الاساسيون. فالمشهد لم يعد يتحمل ترف التجريب في ظل حكومة تصريف اعمال مقيدة دستوريا، وميزانية متأخرة، وفراغ سياسي مفتوح على المجهول.

فكرة "مرشح التسوية" – التي يعترف اكرم بانها مطروحة بقوة – ليست جديدة على التجربة العراقية، لكنها هذه المرة تأتي محمولة على احتمالين متوازيين: اما إعادة تدوير شخصية من "الجيل القديم" تحظى بقدر من القبول المتبادل بين الفرقاء، او الذهاب نحو "حزمة دماء جديدة" تشمل رئاسة الوزراء والجمهورية والبرلمان دفعة واحدة، باسم التغيير وتخفيف حدة الاستقطاب. في المقابل، يعرف الجميع أن أي تسوية من هذا النوع لن تمر من دون تفاهم عميق داخل الاطار التنسيقي الذي يحتفظ مفاتيح ترشيح رئيس الوزراء، ولا من دون حساب دقيق لمواقف القوى الكردية والسنية وللرسائل القادمة من العواصم المؤثرة.

في خلفية هذا النقاش تقف ازمة مركبة ولدها قرار المحكمة الاتحادية، الذي جرد الحكومة من صلاحيات الاقتراض والتعاقد وإدارة الملف المالي بصورة كاملة، وترك البلاد في حالة "حياد قسري" بانتظار ولادة حكومة جديدة. هذا الوضع رفع تكلفة الوقت على القوى السياسية؛ فكل أسبوع يمر من دون اتفاق على رئيس وزراء جديد يعني مزيدا من الضبابية في رواتب الموظفين، والاستثمار، والتزامات الدولة الداخلية والخارجية، ويزيد من احتمالات انفلات الغضب الشعبي في الشارع. هنا تحديدا يكتسب تعبير "حزمة الدماء الجديدة" طابعا براغماتيا: مخرج سريع من عنق الزجاجة، لا لاعتبارات مثالية بقدر ما هو محاولة لشراء الاستقرار بثوب جديد.

في كواليس بعض القوى، كما يصف اكرم، تتبلور فكرة مفادها ان توزيع الحصص التقليدي على وجوه مجربة ومستهلكة لم يعد قادرا على انتاج معادلة حكم قابلة للاستمرار. هناك تنافس صامت على أسماء سبق ان طُرحت في دورات سابقة او شغلت مواقع تنفيذية ونيابية، لكن في المقابل يظهر تيار داخل بعض القوى يدفع نحو خيار يقوم على "تصفير" القائمة ودفع أسماء جديدة بالكامل، في الرئاسات الثلاث، على امل ان يقلّ مستوى الحساسية المتبادلة، وتنخفض كلفة الاعتراض، ويُرسل في الوقت ذاته خطاب الى الداخل والخارج مفاده ان الطبقة السياسية مستعدة لعملية تجميل واسعة.

لكن السؤال الجوهري هو: ما معنى "الدماء الجديدة" في بنية سياسية ترسخت فيها شبكات النفوذ والمصالح على مدى عقدين؟ التجربة العراقية تكشف أن أسماء كثيرة دخلت الحكم بوصفها "تسويات" او "وجوها وسطية" قبل ان تتحول بعد سنوات قليلة الى عقدة جديدة في المشهد. لذلك يتعامل بعض المراقبين مع فكرة "حزمة الدماء الجديدة" بحذر شديد؛ اذ يخشون أن تتحول الى غطاء لإعادة انتاج منظومة المحاصصة نفسها ولكن بوجوه مختلفة، من دون مساس حقيقي بطريقة إدارة الدولة او بقواعد اللعبة الاقتصادية والأمنية.

اكرم يضيء زاوية أخرى حساسة حين يشير الى وجود رأي داخل بعض الأوساط السياسية يدفع باتجاه ان يكون رئيس الوزراء المقبل "بعيدا عن تشكيل التكتلات والأحزاب السياسية"، وان يقدم تعهدا بعدم الدخول في هذه الأطر. هذه الفكرة تعكس بوضوح مستوى الإرهاق من مشهد رئيس وزراء يجلس في قلب التعقيدات الحزبية، يدير حكومته وفي الوقت ذاته يخطط لتكريس نفوذه عبر بناء كتلة او حزب انتخابي. لكنها تصطدم مباشرة بواقع الدستور والقانون؛ فلا يوجد نص يمنع رئيس الوزراء من تأسيس حزب او الانخراط في تكتل سياسي، ما يجعل الامر مجرد تمنٍ سياسي لا اكثر، يعبّر عن ازمة الثقة بين الشركاء لا عن قاعدة دستورية ملزمة.

في العمق، مشكلة القوى السياسية ليست في الاسم بقدر ما هي في "وظيفة" رئيس الوزراء المقبل. هل سيكون مدير مرحلة انتقالية ثقيلة، مهمته الأساسية عبور ازمة ما بعد قرار الاتحادية وترتيب الوضع المالي والاقتصادي، مع الحد الأدنى من الاستقرار الأمني؟ ام سيكون مشروع زعيم جديد يحاول إعادة هندسة التوازنات بين المركز والاقليم، وبين القوى الشيعية والسنية والكردية، وبين بغداد والعواصم الإقليمية والدولية؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد اتجاه البوصلة: نحو مرشح "تسوية" بولاية قصيرة ومرونة عالية، ام نحو شخصية صدامية تملك مشروعا ابعد من الدورة الحكومية الحالية.

الخوف الذي يطارد الكتل اليوم هو تكرار سيناريو الانسداد الذي رافق تشكيل الحكومات السابقة، حين تحولت مفاوضات تسمية رئيس الوزراء الى مسار شاق امتد اشهرا طويلة، وأصبحت مواقع الدولة رهينة رسائل متبادلة بين القوى، واشتباكات في الشارع، وتجاذبات إقليمية. هذه الذاكرة القريبة تدفع بعض المشاركين في الحوارات الى رفع كلفة الرفض، عبر طرح خيار "الصفقة الكاملة": ثلاث رئاسات بوجوه جديدة مقابل تسوية شاملة على تقاسم النفوذ في الحكومات المحلية والوزارات السيادية والخدمية. بهذا المعنى، "حزمة الدماء الجديدة" ليست فكرة رومانسية عن التغيير بقدر ما هي عنوان سياسي لصفقة توزيع جديدة.

في المقابل، تبرز معادلة معقدة داخل الاطار التنسيقي نفسه. بعض اطرافه لا تزال ترى في أسماء مجربة – مثل رئيس الوزراء الحالي – خيارا مضمونا، لاعتبارات تتعلق بشبكات التنسيق الأمني والاقتصادي مع الخارج، وبالقدرة على إدارة التوازن داخل البيت الشيعي، وبالعلاقة مع القوى الكردية والسنية. اطراف أخرى داخل الاطار تخشى ان يؤدي التمسك بهذه الأسماء الى صدام مع قوى أخرى، والى استنزاف طويل في المفاوضات، وربما الى فتح الباب امام تدخلات خارجية اقوى في لحظة الفراغ. هذا التناقض الداخلي يفسر لماذا يبقى "مرشح التسوية" حاضرا في خطاب اغلب القوى حتى وان لم تتفق على تعريفه بعد.

على خط موازٍ، يقف الشارع في موقع المتفرج الحذر، وهو الذي خبر وعود "التغيير" في اكثر من محطة انتخابية من دون ان يلمس تغييرا حقيقيا في بنية الخدمات، وفرص العمل، والعدالة في توزيع الثروة. من هذه الزاوية، قد لا يعنيه كثيرا ان يكون رئيس الوزراء من "الجيل القديم" او "الدماء الجديدة" بقدر ما يعنيه ان تتبدل طريقة إدارة الدولة، وان تتراجع سطوة شبكات الفساد والزبائنية التي تحكم الحياة اليومية للمواطن. هنا يتقاطع مطلب الشارع مع جزء من خطاب بعض القوى التي تبحث عن رئيس وزراء "غير منغمس" بعمق في منظومة الأحزاب، لكنه تقاطع هش، لان المعايير التي تحكم اختيار الاسم ما تزال محكومة باعتبارات التوازن الطائفي والحزبي، لا بمعايير الكفاءة والاستقلالية والمؤسسية.

في ظل هذا كله، يبقى الزمن عاملا ضاغطا. كلما طال امد المفاوضات، زادت مخاطر الانزلاق نحو فوضى سياسية ومالية، وكلما تسارع إيقاع الحوارات من دون رؤية واضحة، ارتفعت احتمالات انتاج "تسوية عجلة" تعيد تدوير المأزق في شكل اخر. بين هذين الحدين تتحرك فكرة فوزي اكرم عن "حزمة الدماء الجديدة" بوصفها محاولة لالتقاط لحظة حرجة: تبديل الوجوه لامتصاص الغضب، من دون مغادرة قواعد اللعبة التي صاغت النظام السياسي منذ 2003.

في النهاية، تعكس النقاشات الدائرة اليوم حول مرشح التسوية والوجوه الجديدة ازمة اعمق من مجرد اختيار أسماء للرئاسات الثلاث. انها ازمة تعريف لطبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة أحزاب تتحاصص السلطة وتُبقي الإدارة العامة رهينة شبكاتها، أم دولة مؤسسات تحكمها قواعد واضحة وتدوير حقيقي للنخب؟ الجواب عن هذا السؤال لن يأتي فقط من قاعات التفاوض، بل من كيفية قراءة القوى السياسية لحدود قدرتها على تجاهل ما يجري خارج تلك القاعات، من ضغط اقتصادي واجتماعي وقلق شعبي يتصاعد. وبين ورقة "مرشح التسوية" وشعار "حزمة الدماء الجديدة"، يبدو ان العراق مقبل على اختبار جديد لقدرة نظامه السياسي على الانتقال من إدارة الازمات الى إدارة التحولات، او البقاء عالقا بينهما.

تقرير: محرر الشؤون السياسية والاقتصادية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

إيران تُربك حسابات ترامب وتفرض تراجعاً أمريكياً عن ضربات حاسمة

بغداد اليوم - متابعة كشف تقرير نشرته ميدل إيست نيوز، اليوم الاربعاء ( 25 آذار 2026 )، أن التوقف المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ ضربات عسكرية واسعة ضد إيران جاء بعد تحذيرات مباشرة من دول الخليج، التي أكدت أن الحرب تتجه نحو مرحلة أشد خطورة،

اليوم, 11:12