سياسة / ملفات خاصة 21-11-2025, 13:33 | --
+A -A

أسباب تفوق القرى


من نصف أصوات نينوى إلى مقعد واحد: ماذا حدث لتمثيل مركز الموصل؟- عاجل

بغداد اليوم – نينوى

تظهر نتائج الانتخابات الأخيرة في نينوى أن مركز مدينة الموصل، الذي كان يمثل قرابة نصف الكتلة الانتخابية للمحافظة، لم يحصل سوى على مقعد واحد من أصل واحد وثلاثين مقعداً. هذه النتيجة لم تكن مفاجِئة للمتابعين بقدر ما كانت انعكاساً لمعادلة اجتماعية وسياسية بدأت تتكرّس بوضوح خلال السنوات الأخيرة: انخفاض المشاركة في المدينة مقابل ارتفاع كبير في الإقبال داخل القرى والأقضية.

الناشط السياسي محمد عباس يلخص هذه الفجوة قائلاً لـ"بغداد اليوم" إن "مركز الموصل الذي يشكّل تقريباً 50% من ناخبي نينوى لم يحصل إلا على مقعد واحد فقط، بينما ذهبت بقية المقاعد للقرى والنواحي"، مؤكداً أن الأسباب باتت واضحة ومتراكمة. ويشير إلى أن "العزوف داخل المدينة أصبح ظاهرة مستقرة، في حين تحافظ القرى على نسب مشاركة شبه ثابتة، ما يمنحها وزناً انتخابياً أكبر من حجمها السكاني الفعلي".

تفسير هذا المشهد يتطلب النظر إلى مجموعة عوامل متداخلة كما يرى متخصصون في علوم الاجتماع. فالمجتمع الموصلي اتجه خلال الدورات الأخيرة نحو مزاج أكثر تحفظاً، حيث يطرح الناخبون أسئلة أكبر من قدرة المرشحين على الإجابة. التجارب السابقة خلّفت شعوراً واسعاً بعدم جدوى المشاركة، بعدما فشل ممثلون سابقون في ترجمة أصوات المدينة إلى مكاسب ملموسة أو حضور سياسي متماسك. ومع غياب كيانات سياسية قوية داخل الموصل نفسها، تتشتت الأصوات بين خيارات متقاربة وغير قادرة على تشكيل كتلة قادرة على المنافسة.

في المقابل، تسلك القرى والأطراف مساراً مختلفاً تماماً. فالمشاركة هناك قائمة على روابط اجتماعية واضحة، وشبكات دعم محلية، وتنظيم انتخابي مبكر لا يحتاج إلى حملات كبيرة. في هذه المناطق، يتحول المرشح إلى مرجع خدماتي مباشر، ويُنظر إلى التصويت باعتباره امتداداً للعائلة والمنطقة، الأمر الذي يمنح الأطراف قدرة متزايدة على حسم النتائج حتى في حال كانت أعداد الناخبين أقل من المدينة.

العامل القانوني كان له دوره أيضاً. فآلية تقسيم الدوائر في نينوى وضعت مركز الموصل في موقع صعب؛ دائرة واسعة، مساحة سكانية متفاوتة، ومرشحون يخوضون السباق دون وجود مظلة موحدة. هذا الوضع جعل أصوات المدينة تتوزع وتضيع، بينما صوّتت القرى كتلة واحدة في معظم الدوائر، وهو ما منحها أفضلية مباشرة.

ويضيف المختص في الشؤون الانتخابية طالب حسين في حديثه لـ"بغداد اليوم" أن غياب البرامج الانتخابية الموثوقة كان عاملاً إضافياً في تعميق فجوة المشاركة، موضحاً أن "الكثير من الحملات اعتمدت على مشاريع خدمية صغيرة أو وعود آنية"، وهو ما عزز شعور الناخب الموصلي بأن المشاركة لن تغيّر الكثير، في حين لا يؤثر هذا الضعف كثيراً على الأطراف التي تبني خياراتها على اعتبارات اجتماعية أكثر منها سياسية.

وتنضم ظاهرة البطاقات الباطلة إلى الصورة، إذ تظهر المؤشرات الأولية ارتفاع معدلات الإبطال في المدن مقارنة بالقرى. ويقول الباحث طالب الخزرجي إن "البطاقات الباطلة أصبحت تعبيراً واضحاً عن عدم رضا شريحة من الناخبين"، مشيراً إلى أن نتائج التصويت الخاص لا يمكن اعتبارها مؤشراً نهائياً، لأن جزءاً من الأصوات يُستبعد أثناء الفرز بسبب الأخطاء أو الإبطال المتعمد.

وبحسب مراقبين، ما جرى في الموصل لا يمكن تفسيره من زاوية واحدة. فهو نتاج عزوف مديني متزايد، واندفاع ريفي منظم، وقانون انتخابي منح الأطراف مساحة تأثير أكبر، وغياب كيان سياسي قادر على جمع أصوات المدينة. وبينما بقيت المشاركة في القرى تمثّل قوة انتخابية ثابتة، ظلّت المدينة حبيسة التردد، ما جعل وزنها الفعلي في صندوق الاقتراع أقل بكثير من حجمها السكاني.

ومع بقاء هذه المعادلة دون تغيير، سيظل تمثيل الموصل أضعف من قدرتها الحقيقية على التأثير، ما لم تتشكل قوة سياسية قادرة على تجميع كتلتها الانتخابية وإعادة حضورها داخل المشهد النيابي.

المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد

أهم الاخبار