بغداد اليوم – بغداد
على وقع إعادة تشكيل السلطة في العراق، يتقدم ملف رئاسة الجمهورية كأحد أكثر المفاصل حساسية في النظام السياسي، ليس فقط لرمزيته الدستورية، بل لدوره في تثبيت التوازنات المضطربة بين الكتل والمكونات. ورغم الطابع البروتوكولي للموقع، أثبتت التجربة أنه قادر على إعادة ترتيب المشهد أو إدخاله في دوامة توتر.
وفي ظل ازدياد الحديث عن مطالبات من بعض الأطراف السنية بنقل المنصب إلى المكوّن السني، وهي مطالبات وصفها قياديون كرد بأنها غير منطقية واصطدام مباشر مع العرف السياسي الذي استقر منذ 2003، تتجمع التحديات أمام القوى الكردية لإعادة ترتيب أوراقها وتحصين استحقاقها التقليدي.
الاتحاد الوطني: المنصب جزء من هويتنا السياسية ولن نسمح بتغيير البوصلة
محمود خوشناو، القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني، أكد في تصريح خاص لـبغداد اليوم أن منصب رئاسة الجمهورية “يمثل استحقاقاً دستورياً وسياسياً ثابتاً للاتحاد الوطني”، مشيراً إلى أن “المحاولات التي تتحدث عن تغيير المعادلة أو نقل المنصب لمكوّن آخر لن تغيّر بوصلة الاستحقاق”.
وقال خوشناو إن رئاسة الجمهورية، رغم طابعها التشريفي، “تملك تأثيراً مباشراً على الواقع الأمني والسياسي، وكانت دائماً محوراً جامعاً للخلافات وحامية للدستور”، مشيراً إلى أن الاتحاد الوطني “نجح في إدارة هذه المؤسسة” من دون أن يزجّها في الاصطفافات، مستشهداً بالإرث الذي تركه الرئيس الراحل مام جلال.
وفي ما يخص طرح اسم نيجيرفان بارزاني للمنصب، أوضح خوشناو أن “السيد نيجيرفان شخصية محترمة ومن حق الجميع المطالبة، لكن المنصب سيُحسم ضمن المعادلات السياسية القائمة”، فيما أكد أن المؤشرات الحالية “ترجّح بقاء المنصب ضمن الاستحقاق التقليدي للاتحاد”، مع استمرار الحوار مع القوى السياسية كافة. وشدد على أن الاتحاد الوطني “سيعمل على تحصين ملف الرئاسة وضمان بقائه عامل استقرار داخل المكوّن الكردي والفضاء الوطني”.
الحزب الديمقراطي: زيارات الأسبوع المقبل ستحدد شكل التفاوض
من جانبه، قال وفا محمد، عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، في تصريح خاص لـ"بغداد اليوم"، إن الأيام المقبلة ستكون حاسمة، خصوصاً مع الزيارات المرتقبة لقيادات شيعية بارزة إلى أربيل، بينها نوري المالكي، فالح الفياض، وهمام حمودي، حيث من المتوقع أن يُفتح ملف رئاسة الجمهورية “على الطاولة بشكل جدي”.
وأوضح أن “من المبكر جداً الحديث عن اسم مرشح محدد داخل البيت الكردي”، مؤكداً أن الحزب الديمقراطي “لم يناقش حتى الآن أي اسم بشكل رسمي”.
وأضاف أن منصب رئاسة الجمهورية طُرح على نيجيرفان بارزاني عام 2021، لكنه رفضه بالكامل في ذلك الوقت، أما الآن فإن الموقف مرتبط بمسار التفاوضات وما ستسفر عنه اللقاءات مع القوى الشيعية والسنية.
مطالبات سنية تُقلق الأكراد… وكردستان ترفض كسر العرف
مصادر كردية سياسية رصينة أكدت لـبغداد اليوم أن مطالبات بعض القوى السنية بالحصول على منصب رئاسة الجمهورية تُعد “قفزة خارج المنطق السياسي”، كونها تتعارض مع التوازنات التقليدية (رئاسة الجمهورية للأكراد، الوزراء للشيعة، البرلمان للسنة).
وترى هذه المصادر أن منح المنصب لمكوّن آخر سيعيد رسم خريطة القوى داخل العراق بطريقة قد لا تسمح بها الأحزاب الكردية، التي تعتبر المنصب جزءاً من هويتها الدستورية ووزنها الاتحادي.
وتحذر المصادر من أن أي خطوة غير محسوبة في هذا الاتجاه “قد تدفع البلاد نحو أزمة جديدة شبيهة بأزمة 2018 و2021، أو ربما أكثر تعقيداً”، باعتبار أن المنصب يمسّ الشرعية الاتحادية والتوازنات بين بغداد وأربيل.
ومع بدء العد التنازلي لمفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، يتحول ملف رئاسة الجمهورية إلى مركز اختبار لقدرة البيت الكردي على توحيد موقفه، وقدرة الأطراف الشيعية على إدارة تفاوض حساس، إضافة إلى مراقبة القوى السنية التي تحاول توسيع مكاسبها في لحظة سياسية مضطربة.
المعلومات المتقاطعة تشير إلى أن الأسبوع المقبل سيكون مفصلياً، وأن الزيارات المرتقبة لأربيل قد تحمل أولى ملامح الاتفاق—أو بداية مسار أكثر تعقيداً إذا ما أصرّت بعض الأطراف على كسر العرف أو إعادة هندسة الاستحقاقات.
المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد اليوم