بغداد اليوم – بغداد
بعد الإعلان المفاجئ الذي أدلى به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن صفقة بيع مقاتلات F-35 المتطورة إلى المملكة العربية السعودية، ارتفعت موجة واسعة من التكهنات حول احتمال حدوث اختراق كبير في مسار التطبيع بين الرياض والكيان المحتل، إذ ربط ترامب الصفقة بـ“تفاهمات سياسية مهمة”، ما أثار أسئلة عميقة عن طبيعة هذه التفاهمات، وما إذا كانت تتضمن شروطاً أو خطوات متدرجة نحو إدماج السعودية في اتفاقات إبراهام. واعتُبر هذا الربط، للمرة الأولى بشكل علني، مؤشراً على تغير موازين التفاوض في المنطقة، خصوصاً في ظل اشتعال ملفات غزة والبحر الأحمر واتساع نطاق الضغوط الأمريكية لإعادة ترتيب هندسة الأمن الإقليمي.
وفي قلب هذه التكهنات، استبعد عضو لجنة العلاقات الخارجية النيابية، النائب عامر الفايز، في حديثه لـ بغداد اليوم، إمكانية إقدام السعودية على تطبيع العلاقات “في هذه المرحلة تحديداً”، مؤكداً أن ما يتداول من تسريبات في الصحف الغربية يدخل في إطار “اختبار ردة فعل الرأي العام العربي والإسلامي قبل اتخاذ أي خطوة فعلية”. ويشدّد الفايز على أن قراءة المشهد الداخلي السعودي، الديني والسياسي، توضح أن المملكة ليست في وارد اتخاذ خطوة بهذا الحجم، لا سيما وأنها تمثل مركز الثقل الروحي للعالم الإسلامي، الأمر الذي يجعل أي تحول جذري في موقعها السياسي محفوفاً بحساسيات غير مسبوقة.
ويشير الفايز إلى أن الظروف الإقليمية تزيد من صعوبة هذا المسار؛ فالحرب المستمرة في غزة، وتعقيدات خطوط النزاع الممتدة من جنوب البحر الأحمر حتى شمال لبنان، وتصاعد المواجهات في سورية والعراق واليمن، كلها عوامل تجعل أي خطوة تطبيعية “ثمنها السياسي أعلى من أي مكاسب محتملة”. ويؤكد أن الضغوط الأمريكية موجودة، لكنها “لا تمنح مسار التطبيع فرصة واقعية حالياً”، لأن الحسابات السعودية أكثر تشابكاً من أن تُحسم بقرار منفرد حتى لو جاء بدعم واشنطن.
وفي خضم هذه الضوضاء الإقليمية، يتلاقى النقاش حول التطبيع مع ملف صفقات السلاح بين الرياض وواشنطن؛ فبحسب الفايز، فإن العقود العسكرية السعودية مع الولايات المتحدة ليست جديدة، بل تمثل امتداداً طبيعياً لهيكل تسليح اعتمدته المملكة منذ عقود، حيث يأتي معظم تجهيز جيشها من الصناعة الأمريكية. ويرى أن هذه الصفقات “شأن داخلي خاص بالمملكة”، ولا تحمل انعكاسات مباشرة على الأمن العراقي، تماماً كما يعقد العراق صفقات دفاعية متعددة مع دول مختلفة وفق احتياجاته.
غير أن خلفية الصفقة، كما يراها مراقبون دوليون، تشير إلى تحولات أعمق؛ فإسرائيل كانت ترفض منح السعودية مقاتلات F-35 طوال السنوات الماضية خشية الإخلال بتفوقها العسكري النوعي. لكن تصريحات ترامب الأخيرة توحي بأن تفاهمات جديدة قد شُكلت في الكواليس، وهو ما يعكس تغيراً في بنية التحالفات الإقليمية، وربما استعداداً أمريكياً لإعادة توزيع موازين القوة بهدف خلق محور استقرار جديد وسط الفوضى الممتدة في المنطقة.
وفي سياق موازٍ، كشفت وسائل إعلام سعودية أن ولي العهد محمد بن سلمان سيزور واشنطن لإجراء مباحثات مباشرة حول الصفقة وملفات التعاون الأمني، وهي خطوة تعزز الانطباع بأن هناك تحركاً سياسياً غير معلن، قد يتبلور في تفاهم إطار أولي خلال الأسابيع المقبلة. وتقول التقديرات الأولية إن الصفقة قد تعيد رسم ميزان القوة الجوية في الشرق الأوسط، وتفتح الباب أمام سباق تسلح جديد، مع ترقب واسع لردود الفعل الإسرائيلية والخليجية خلال الساعات القادمة.
وفي هذه المعادلة الشائكة، يجد العراق نفسه مطالباً بقراءة دقيقة للمشهد؛ فمن جهة، يسعى للحفاظ على حياده وعدم الانخراط في محاور سياسية متصادمة، ومن جهة أخرى، يراقب التحولات التي قد تعيد رسم شكل المنطقة بأكملها إذا ما مضت السعودية باتجاه تطبيع مفاجئ أو مشروط. فمثل هذا التحول سيغيّر معادلات الأمن والاقتصاد والتحالفات، ويضع بغداد أمام واقع جديد يتطلب توازناً دقيقاً في سياستها الخارجية، خصوصاً في لحظة تتصاعد فيها الضغوط الدولية، وتتداخل خلالها مصالح القوى الكبرى والإقليمية في ساحة واحدة.
المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد اليوم