بغداد اليوم – بغداد
منذ إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية، لم تعد النقاشات تدور حول من خسر ومن فاز فقط، بل حول كيف صوّت العراقيون؟ وكيف استطاع النظام الانتخابي، مدفوعاً بثقافة تصويت مرتبكة، أن ينتج برلماناً يحمل هذا القدر من الاختلاف عن الإرادة الاجتماعية الظاهرة في الشارع خلال السنوات الأخيرة.
وينطلق خبير الشأن الانتخابي رياض الوحيلي من هذه اللحظة ليضع إصبعه على الجرح قائلاً خلال حديث لـ"بغداد اليوم"، إن “اختلال معايير التصويت لدى الناخبين أصبح عاملاً جوهرياً في وصول شخصيات لا تمتلك القدرة على التشريع أو الرقابة، مقابل خروج مرشحين يحظون بتأييد شعبي واسع”.
ويشير الوحيلي إلى أن كثيراً من الناخبين ما زالوا يصوّتون وفق انتماءات ضيقة، وولاءات ظرفية، ووعود انتخابية انفعالية، دون النظر إلى الكفاءة والسجل التشريعي ونظافة اليد.
وما يزيد الصورة تعقيداً هو القانون الانتخابي نفسه. فالعودة إلى سانت ليغو 1.7، وهي الصيغة التي لطالما أثارت جدلاً واسعاً، انعكست مباشرة على تبدّل شكل البرلمان.
فالنظام يمنح أفضلية واسعة للتحالفات الكبيرة والمهيكلة، ويقلّص إلى حد كبير فرص المستقلين والقوائم المدنية. ولأول مرة منذ 2018، يختفي أكثر من ستين نائباً مدنياً أو مستقلاً من التشكيلة الجديدة، وهو تراجع وصفه مراقبون بأنه “انكماش تاريخي للتمثيل المدني”.
ولا يقرأ الوحيلي هذه التحولات باعتبارها مجرد نتائج رقمية، بل كجزء من تحول بنيوي يعيد صياغة البرلمان ليصبح أكثر قرباً من القوى العقائدية، وأكثر بعداً عن المزاج المدني الذي تصاعد خلال احتجاجات تشرين وما بعدها. ويصف مراقبون هذا التحول بأنه انتقال من برلمان “متعدد الأصوات” إلى برلمان “مركّز الأصوات”، حيث تمتلك القوى العقائدية قدرة أعلى على تمرير رؤيتها التشريعية، خصوصاً في ملف الحريات العامة.
ولأن القانون الانتخابي الحالي يترجم الأصوات بطريقة غير متكافئة، تشير الوقائع إلى مفارقات صادمة: مرشح يحصل على 2300 صوت فقط يدخل البرلمان، فيما يخسر آخر حصل على ستة آلاف صوت في الدائرة ذاتها.
هذا الانحراف في التمثيل، وفق الوحيلي، ليس حادثاً عابراً بل “نتيجة مباشرة لغياب معايير تقييم المرشح عند الناخب، إضافة إلى ثغرات قانونية تسمح للقوائم الكبيرة باحتكار المقاعد عبر بقايا الأصوات”.
وفي تفسير أوسع، يرى مختصون في علم الاجتماع السياسي أن ضعف التمثيل المدني ينعكس سريعاً على البيئة التشريعية، فيتحول البرلمان إلى مساحة أقل حساسية تجاه الحريات العامة، وأكثر استعداداً لتمرير قوانين مثيرة للجدل، خاصةً تلك المرتبطة بتقييد الخطاب العام أو تنظيم المحتوى الرقمي أو الحد من التجمعات الجماهيرية. وفي هذه الحالة، كما يشير الوحيلي، يصبح الشارع “الفضاء البديل” للتمثيل، وهو ما يحمل احتمالات عالية لعودة الاحتجاجات في حال شعرت الفئات المدنية بأنها مهمّشة داخل المؤسسة التشريعية.
ويتقاطع هذا التحول الداخلي مع سياق إقليمي مشحون: توتر أمريكي–إيراني، تغيّرات ميدانية في سوريا ولبنان، وانقسام خليجي حول ملفات الأمن والطاقة. ويرى خبراء في العلاقات الإقليمية أن برلماناً بملامح عقائدية سيُظهر حساسية أكبر تجاه هذه الاصطفافات، وربما يدخل في مسارات تقارب أو تصادم خارجي انعكاساً للخلفيات الفكرية للأطراف الأكثر نفوذاً داخله.
وفي ضوء هذه المعادلة، تبدو الخريطة السياسية العراقية مقبلة على اصطفاف من نوع جديد: برلمان مهيمن عليه تنظيمياً، وشارع مدني يخسر آخر منصاته الرسمية. ووفق ما يراه محللون دوليون، فإن أخطر ما في هذا التحول ليس نتائجه الآنية، بل ما يخلقه من تراكم نفسي وسياسي قد يقود إلى فجوة طويلة الأمد بين المجتمع والمؤسسة التشريعية.
وعلى الرغم من الدعوات لإصلاح قانون الانتخابات وتطوير ثقافة التصويت، تبدو الطريق معقدة — إذ يصعب على القوى المستفيدة من الوضع الحالي التخلي عن مكتسباتها. ومع ذلك، يرى الوحيلي أن “الانتخابات المقبلة قد لا تحمل نتائج أكثر عدالة ما لم يُعَد النظر جذرياً في آلية توزيع المقاعد، وبناء برامج توعية تُعطي الناخب القدرة على اختيار ممثليه وفق الكفاءة لا وفق الانتماءات الظرفية”.
وفي ظل هذه المعطيات، تُطرح أسئلة ثقيلة سترافق المرحلة المقبلة: هل يستطيع البرلمان الجديد أن يتجنب الانحراف نحو تشريعات تضييقية؟ هل ستنجح القوى المدنية في إيجاد بديل داخل العملية السياسية أم ستعود إلى الشارع؟ وهل يمكن للعراق مواجهة تحدياته الإقليمية ببرلمان يفتقر إلى التوازن؟
وبحسب مراقبين، هذه الأسئلة ستبقى مفتوحة، فيما تتجه البلاد نحو واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها التشريعي بعد 2003.
المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد اليوم