بغداد اليوم – بغداد
تستعد الفصائل المسلحة في العراق للدخول في مرحلة حساسة من المفاوضات السياسية بعد إعلان النتائج الأولية للانتخابات، وسط مؤشرات على تحولات واضحة في خارطة التحالفات، ورغم الاعتراضات الأميركية المتكررة على تنامي حضور قوى مرتبطة بها، فإن المعادلة الجديدة تبدو أكثر رسوخاً على الأرض.
وبحسب مصدر مقرب من الفصائل تحدث لـ"بغداد اليوم"، فإن الإعلان الرسمي لنتائج تشرين دفع الفصائل إلى التحضير لسلسلة اجتماعات خلال الأيام القادمة من أجل تحديد رؤيتها الشاملة للمرحلة المقبلة، وصياغة الثوابت التي ستدخل بها إلى طاولة الحوار السياسي، خصوصاً مع بدء العد التنازلي لتشكيل الحكومة الجديدة.
ويرجح المصدر أن الأولويات التي ستتبناها الفصائل ستشمل دعم مسار إخراج القوات الأجنبية من العراق وتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية والدفاعية، إضافة إلى وضع آليات أكثر جدية في مكافحة الفساد وملاحقة شبكاته، إلى جانب الدفع باتجاه سياسة أمنية أكثر استقلالية. ويشير مراقبون إلى أن هذه الملفات تمثل جوهر الخطاب السياسي لهذه القوى منذ سنوات، لكنها اكتسبت وزناً أكبر بعد صعود ممثليها داخل البرلمان.
وتكشف مصادر سياسية عليمة أن واشنطن كانت قد عبّرت عبر قنوات دبلوماسية مباشرة عن اعتراضها على تنامي نفوذ الفصائل في المشهد النيابي، معتبرة أن صعودها سيعيد تشكيل اتجاهات بغداد في ملفات حساسة تتعلق بالوجود العسكري الأميركي ومسارات التعاون الأمني. إلا أن النتائج النهائية أظهرت أن التأثير الأمريكي ظل محدوداً، وأن القوى المرتبطة بالفصائل تمكنت من فرض نفسها رقماً مؤثراً في التوليفة الجديدة رغم التحفظات الدولية.
ويشير المصدر إلى أن العديد من قوى الإطار التنسيقي تُعد الأقرب من ناحية الرؤية السياسية، ما يجعل احتمالات تشكيل محور مشترك بين الطرفين أمراً واقعياً وقابلاً للتطور خلال الأيام المقبلة. لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الحديث عن تحالفات نهائية مع القوى السنية أو الكردية ما يزال سابقاً لأوانه، لأن تشكيل الحكومة يتطلب توافقات عابرة للمكونات، وهو ما يجعل الاصطفافات الحالية مفتوحة على تعديلات كثيرة تبعاً لطبيعة التفاهمات وشكل الضغوط الداخلية والخارجية.
وترى تقارير دولية أن صعود الفصائل قد يترك أثراً مباشراً على توازنات العلاقة بين بغداد وواشنطن، خاصة في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في الإقليم، وفي ضوء وجود ملفات شائكة تتعلق بالانتشار العسكري الأجنبي والعمليات المشتركة ضد الإرهاب. وتعتبر هذه التقارير أن الحكومة المقبلة ستكون محكومة بهوامش أضيق في التعامل مع الضغوط الدولية، مع ارتفاع تأثير القوى العقائدية داخل البرلمان.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تبدو المرحلة المقبلة في العراق مفتوحة على مسار تفاوضي معقد يتداخل فيه المحلي بالإقليمي، ويصعب فيه حسم اتجاه التحالفات بشكل سريع. فصعود الفصائل إلى قلب المعادلة التشريعية يضيف طبقة جديدة من التعقيد، كما يعيد صياغة قواعد التوازن السياسي بطريقة تجعل عملية تشكيل الحكومة اختباراً حقيقياً لمدى قدرة القوى المؤثرة على إدارة خلافاتها وتحديد أولوياتها. وفي ظل استمرار الانقسام بين المشاريع الكبرى وتعدد الضغوط الخارجية، يبدو أن الأسابيع المقبلة ستحمل إجابات تدريجية فقط، بينما يظل المشهد العام قابلاً للتحول في أي لحظة تبعاً لطبيعة التفاهمات التي ستبرز خلف الأبواب المغلقة، بحسب مراقبين.
المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد اليوم