بغداد اليوم - بغداد
مع الإعلان الأولي لخارطة التمثيل البرلماني الجديدة، بدأت ملامح مرحلة سياسية مختلفة تتشكل في بغداد، وفق ما تنقله مصادر سياسية مطلعة ترى أن خروج أكثر من ستين نائباً مدنياً أو مستقلاً لا يبدو مجرد تبدل في الأرقام، بل تحول بنيوي يعيد رسم توازنات القوة داخل المؤسسة التشريعية.
وهذا ما أكد عليه الخبير في الشؤون الاستراتيجية علي الحبيب حين اعتبر أن “خروج أكثر من 60 نائباً مدنياً أو مستقلاً من مجلس النواب يمثل تحولاً قد يفتح الباب أمام هيمنة أطراف حزبية عقائدية عرفت تاريخياً بملاحقة الحريات العامة واستخدام القوانين الفضفاضة ضد الأصوات المنتقدة”.
وتشير تحليلات سياسية إلى أن غياب هذا العدد الكبير من النواب المدنيين يمثل لحظة مفصلية قد تمنح القوى الأكثر تنظيماً قدرة أكبر على التأثير في صناعة القرار. ويتقاطع ذلك مع رؤية علي الحبيب الذي أكد أن “غياب الأصوات المدنية داخل المؤسسة التشريعية يعني فقدان أحد أهم صمامات الأمان في مواجهة محاولات تضييق الحريات أو الحد من حق التعبير والتجمع”، وهي مخاوف رصدتها أيضاً مراكز حقوقية مستقلة اعتبرت هذا الانكماش بداية نحو “دورة ترهيب سياسي”.
ويعتقد خبراء في حركة الاحتجاجات أن هذا التحول قد يدفع الفئات المدنية نحو الشارع كفضاء بديل للتعبير السياسي، خصوصاً عندما يصبح البرلمان أقل حساسية لمطالبهم. وهو ما أشار إليه الحبيب نفسه حين حذر من أن “تراجع التمثيل المدني قد يدفع هذه الشرائح الاجتماعية إلى العودة للشارع كفضاء بديل، خصوصاً في حال وجود تحركات داخل البرلمان لتمرير قوانين تهدف إلى تضييق الحريات أو استهداف النشطاء”. وتؤكد قراءات اجتماعية أن أي تشريع من هذا النوع سيفهم فوراً على أنه استهداف مباشر للحركة المدنية.
وتفيد مصادر قانونية عليمة بأن البرلمان قد يصبح ساحة لإعادة تعريف علاقة الدولة بالمجتمع عبر تشريعات أكثر صرامة، خصوصاً في ظل غياب التوازن المدني. ويعزز الحبيب هذا التقدير بقوله إن “انحراف العمل التشريعي نحو التضييق بدل الإصلاح سيضع البلاد أمام تحديات اجتماعية وسياسية معقدة قد يصعب احتواؤها لاحقاً”. ويرى مختصون أن هذا المسار سيضاعف الاحتقان الشعبي، خصوصاً في مجتمع شاب يعاني من ضغوط اقتصادية وخدمية.
وتشير قراءات إقليمية إلى أن التوقيت يزيد من خطورة التحول، إذ يتزامن مع توتر أمريكي إيراني متصاعد، ووضع أمني غير مستقر في سوريا ولبنان، ومخاوف من تصعيد أوسع في الخليج والبحر الأحمر. ويعتقد محللون أن برلماناً بملامح عقائدية سيكون أكثر عرضة للتفاعل مع هذه الاستقطابات، وهو ما قد ينعكس على تموضع العراق إقليمياً.
في تقديرات مراقبين محليين ودوليين، فإن التوليفة البرلمانية الجديدة لا تشكل خطراً آنياً فقط، بل مساراً يعيد صياغة شكل الحياة السياسية حول محورين: برلمان عقائدي ضاغط، وشارع محتقن يبحث عن منفذ للتعبير. وتبرز خشية واسعة من أن يتحول التضييق التشريعي إلى وقود موجات احتجاجية جديدة، خصوصاً في ظل ما أكد عليه علي الحبيب بشأن التعقيدات الاجتماعية والسياسية التي “قد يصعب احتواؤها لاحقاً” إذا فقد البرلمان توازنه المدني.
المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد اليوم