سياسة / ملفات خاصة 13-11-2025, 16:00 | --
+A -A

تنافس داخلي


مفاوضات الحكومة تنطلق فعليا.. الإطار يطلق مشاورات "الصيغة الأقرب" إلى الواقع السياسي

بغداد اليوم – بغداد

مع الساعات الأولى التي تبعت إعلان مفوضية الانتخابات لعدد المقاعد الأولية، تحركت ماكينة الإطار التنسيقي باتجاه الهدف الأكثر حساسية: تشكيل الحكومة.

وبرغم أن الحديث يبدو في ظاهره شأناً اعتيادياً يتكرر بعد كل دورة انتخابية، إلا أن ما يجري في الكواليس يشير إلى أن هذه الجولة تحمل طابعاً مختلفاً، لأنها تأتي بعد استقطاب انتخابي حاد، وغموض دستوري حول موعد الاقتراع، وتباينات داخل البيت الشيعي نفسه حول هوية المرحلة المقبلة.

في مقدمة المشهد، بدا أن إعلان الأرقام مساء الأربعاء قد أنهى مرحلة الانتظار الطويل. الخرائط النيابية أصبحت أكثر وضوحاً، والمفاجآت التي كشفتها النتائج بعثرت أو ثبتت مواقع قوى مؤثرة، بينما فتحت خسارة عدد من النواب السابقين الباب أمام عملية إعادة هندسة داخلية داخل الإطار نفسه. ولهذا، بدأ السياسيون يتعاملون مع “ما بعد النتائج” بوصفه مرحلة ينبغي استثمارها بسرعة قبل أن تتحرك الأطراف الأخرى وتعيد ترتيب أوراقها.

وعند النظر إلى الخلفيات السياسية المؤثرة على المفاوضات، يظهر أن الإطار يستند إلى ثلاثة معطيات رئيسية تفسر خطابه الحالي. المعطى الأول هو تشكّل أغلبية رقمية جديدة تمنح الإطار ثقلاً واسعاً داخل البرلمان المقبل، الأمر الذي خلق شعوراً داخلياً بأن زمام المبادرة بات في متناول قياداته. أما المعطى الثاني، فهو الرسالة التي بعثت بها الصناديق، إذ جاءت النتائج محمّلة بإشارات تغيير واضحة، أبرزها خروج شخصيات تقليدية كانت تتصدر المشهد النيابي، وهو ما يقرأه الإطار كتحول في مزاج الناخب ينبغي أن ينعكس على شكل الحكومة المقبلة. ويتقاطع ذلك مع خلفية ثالثة لا يمكن تجاهلها، وهي السياق الدستوري الملتبس الذي خلقته تصريحات رئيس مجلس القضاء الأعلى حول عدم دستورية موعد الانتخابات، وهو ما ينظر إليه البعض كلغم مؤجل قد يجري استحضاره في حال تعقدت مفاوضات تشكيل الحكومة.

يقول عضو الإطار، عصام شاكر، لـ"بغداد اليوم"، إن المشاورات الحالية لم تبدأ بعد إعلان المقاعد، بل كانت قائمة منذ أيام، غير أنها الآن دخلت مرحلة أكثر جدية مع بدء الحسابات التفصيلية المتعلقة بالحقائب الوزارية وملف الحسم الأهم: رئاسة الوزراء. وفي داخل الإطار، تجري مناقشة اتجاهات متعددة تتعلق بطبيعة الاستحقاق المقبل، إذ يدور نقاش حول التمسك بالاستحقاق الشيعي التقليدي الذي يعتبر رئاسة الوزراء موقعاً يجب أن يخرج من داخل الإطار حصراً، مع وجود تباين يخص المفاضلة بين أكثر من مرشح، فضلاً عن اتجاه ثالث يفضّل إبقاء ملف الأسماء مغلقاً لحين استكمال التوافقات الداخلية، خصوصاً بين القوى التي تعتبر أن وزنها الانتخابي الجديد يمنحها الأولوية في الترشيح.

ورغم أن شاكر يصف الحديث عن الأسماء بأنه مبكر، إلا أن مصادر سياسية مطلعة تشير إلى أن ملف الترشيح مطروح فعلياً داخل الغرف المغلقة، وأن التداول يجري بصمت شديد لتجنب أي تصادم داخلي قبل نضج اللحظة السياسية. ويرى شاكر أن خيار الأغلبية الوطنية ما يزال مطروحاً بقوة، غير أن المشهد الواقعي يبدو أكثر تعقيداً، إذ إن تشكيل حكومة أغلبية يتطلب تفاهمات واسعة مع أطراف كردية وسنية أساسية، وهو ما قد يدفع المشهد نحو صيغة هجينة تجمع بين الأغلبية والتوافق في الوقت نفسه. الخط المشترك داخل الإطار يتمثل في الإصرار على إشراك جميع المكونات تفادياً لأي أزمة سياسية قد تتشكل في مرحلة حساسة كهذه.

ومن خلال تتبع المعطيات وقراءة السياق العام، تبدو ملامح المرحلة المقبلة أقرب إلى أربع خلاصات. الأولى أن الإطار يمسك بالمبادرة السياسية بشكل واضح للمرة الأولى منذ سنوات، وأن اتجاهه يتمحور حول محاولة إنتاج حكومة أكثر صلابة من سابقاتها. الثانية أن حسم ملف رئاسة الوزراء سيجري خلف الأبواب المغلقة قبل طرحه في العلن، وذلك لتجنب أي اهتزاز مبكر داخل التحالف. أما الثالثة فتتعلق بالسياق الدستوري المختلف الذي يجعل من كل إرباك في المشاورات عاملاً ضاغطاً، خصوصاً في ظل الحديث النظري عن إمكانية العودة لملف دستورية الموعد إذا تعقدت عملية التشكيل. والرابعة أن الأسابيع المقبلة ستكون مفصلية، إذ ستتكون فيها التحالفات النهائية، وبذلك سيتحدد شكل الحكومة المقبلة وتركيبتها السياسية.

وبحسب مراقبين، المشهد الآن لا يمثل مجرد انتقال من انتخابات إلى حكومة جديدة، بل انتقال من توازنات سياسية ما قبل تشرين الثاني 2025 إلى مرحلة مختلفة تتبدل فيها الأوزان وتتشكّل فيها التحالفات من نقطة أكثر صلابة. ولأن رئاسة الوزراء تمثل جائزة المرحلة، فإن كل التحركات الجارية تهدف إلى ضمان أن يكون الطريق إليها محسوباً بدقة، من داخل الإطار أولاً، ومن خلال التفاهمات الوطنية لاحقاً.

المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد اليوم

أهم الاخبار