بغداد اليوم – بغداد
في ظل تحولات إقليمية غير مسبوقة بعد سقوط نظام الأسد، تتجه بغداد ودمشق نحو فتح صفحة أمنية جديدة عنوانها الأبرز: مواجهة التهديد المتجدد لتنظيم داعش. فمع اتساع الفراغ الأمني في الداخل السوري، وتراجع دور التحالف الدولي في العراق، تبدو المباحثات بين البلدين أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وسط تشابك المصالح وتضارب الحسابات الإقليمية.
يؤكد الخبير في الشأن العسكري اللواء المتقاعد صفاء الأعسم لـ"بغداد اليوم" أن "المباحثات الجارية حالياً بين العراق وسوريا بشأن تعزيز التعاون الأمني بعد سقوط نظام الأسد تمثل خطوة استراتيجية لحماية الحدود المشتركة ومنع عودة تنظيم داعش، الذي لا يزال يشكل تهديداً قائماً للأمن الإقليمي".
ويضيف الأعسم أن "انهيار النظام السابق في دمشق خلق فراغاً أمنياً خطيراً في عدد من المناطق السورية، ما يوفر بيئة محتملة لإعادة تنشيط التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها داعش، الأمر الذي يستدعي تحركاً مشتركاً بين البلدين لمنع استغلال هذا الوضع"، مشدداً على أن "العراق وسوريا يمتلكان خبرة ميدانية طويلة في مواجهة التنظيم، وأن تبادل المعلومات الاستخبارية، وتنسيق العمليات على جانبي الحدود، وإعادة ضبط المناطق الصحراوية الرخوة، تمثل عناصر أساسية لإنجاح هذا التعاون".
ويتابع أن "أمن العراق مرتبط بشكل مباشر بأمن سوريا، وأن أي اختراق إرهابي داخل الأراضي السورية سينعكس فوراً على الداخل العراقي، فحماية الحدود الغربية تعد أولوية قصوى في المرحلة المقبلة"، داعياً إلى "دعم المجتمع الدولي للمسار الأمني الجديد بين بغداد ودمشق، خصوصاً في ملفات ملاحقة فلول الإرهاب وتبادل المطلوبين وضبط حركة التهريب التي تشكل أحد المصادر الرئيسية لتمويل التنظيمات المتطرفة".
بحسب تقارير غربية اطّلعت عليها "بغداد اليوم"، فإن سقوط النظام السوري أوجد فراغاً أمنياً متشعباً مكّن فلول داعش من إعادة التموضع في المناطق الحدودية، لا سيما في المثلث الصحراوي الممتد بين دير الزور والبوكمال والأنبار. وقد دفعت هذه التطورات بغداد إلى استئناف مباحثات أمنية مباشرة مع القيادة السورية الجديدة، وسط حديث عن "زيارات سرية" لمسؤولين عراقيين إلى دمشق لمناقشة سبل التنسيق الميداني.
وتشير التقارير إلى أن تراجع الدور الأمريكي وانحسار التحالف الدولي شكّلا دافعاً رئيسياً لهذا التقارب، إذ باتت بغداد تدرك أن غياب الدعم الجوي والاستخباراتي الذي وفره التحالف منذ 2014 سيضعها أمام تحدٍ كبير في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
ورغم أن دمشق تُبدي استعداداً حذراً لتوقيع تفاهمات أمنية جديدة، إلا أنها تخشى من تكرار سيناريو النفوذ الفصائلي الذي رافق مرحلة ما بعد 2013، حين دخلت فصائل عراقية إلى الأراضي السورية بالتنسيق مع فيلق القدس الإيراني، مما أتاح لطهران توسيع نفوذها في دير الزور والقصير وألبوكمال. تلك التجربة، بحسب معهد واشنطن، تجعل القيادة السورية الجديدة حذرة من أي اتفاق قد يتيح عودة نفوذ ميليشيات عراقية تحت غطاء التعاون الأمني.
في المقابل، تحاول إيران استثمار اللحظة لتثبيت ما تبقى من "الهلال الشيعي" عبر ممر بري يمتد من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق. وهو ما يثير قلق تركيا ودول الخليج التي ترى في هذا التنسيق المحتمل تهديداً لمصالحها الإقليمية، خصوصاً أن أنقرة تخشى من أن يفتح الاتفاق الباب لإحياء مشروع خط أنابيب كركوك – بانياس، المنافس لخط كركوك – جيهان التركي.
في الداخل العراقي، الانقسام السياسي واضح حيال الموقف من دمشق. فبينما يرفض معسكر قريب من طهران أي تعاون أمني جديد قد يحد من نفوذها، يدعو تيار آخر إلى نهج براغماتي يضع الأمن القومي فوق الاصطفافات الإقليمية.
هذا التباين ظهر بوضوح في مواقف بعض القادة السياسيين، إذ رفض نوري المالكي دعوة رئيس سوريا للمشاركة في قمة الجامعة العربية في بغداد، بينما يرى آخرون، من بينهم رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، أن إشراك دمشق ضروري "لطرح رؤية شاملة عن مستقبل سوريا الجديدة".
يرى مراقبون أن المباحثات العراقية-السورية الحالية هي أكثر من مجرد تنسيق حدودي؛ إنها محاولة لرسم ملامح نظام أمني جديد بعد سقوط الأسد، يُوازن بين خطر الإرهاب ومصالح الدول الإقليمية المتداخلة. فالعراق الذي خاض معارك دامية مع داعش لا يستطيع تجاهل التطورات على الضفة الأخرى من الحدود، خصوصاً مع وجود آلاف العناصر الهاربة وعائلاتهم في مخيم الهول، الذي تحوّل إلى بؤرة أمنية مقلقة.
ويؤكد الأعسم أن "تعزيز التعاون الأمني بين العراق وسوريا اليوم لم يعد خياراً بل واجباً استراتيجياً لحماية الانتصارات المتحققة على الإرهاب وضمان عدم تكرار سيناريو 2014"، فيما يربط محللون نجاح هذا المسار بقدرة بغداد على تحقيق توازن دقيق بين ضرورات الأمن ومتاهات السياسة، في مرحلة إقليمية تتغير موازينها كل يوم.
المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد اليوم
بغداد اليوم - بغداد أصدرت الحكومة العراقية، اليوم الاربعاء ( 25 آذار 2026 )، بيانا بعد قصف الجيش في الحبانية، مؤكدة أنه سيتم تقديم شكوى مُثبتة ومُدعمة بالوثائق والتفاصيل الى مجلس الأمن الدولي والمنظمة الدولية. وقال الناطق باسم القائد العام للقوات