التاريخ يوبخنا

مقالات الكتاب     access_time Hello 2017/10/12 21:55 chat_bubble_outline عدد القراءات: 1628

كانت المرة الأول التي ساورتني فيها الرغبة للسؤال عن التاريخ ومعرفته والإطلاع عليه كانت في الأول ابتدائي حين قال المعلم مرةً: اذا فتحت تاريخنا ستشمُ منه رائحة الدم! فهمتُ من المعلم هذا المعنى فهم حرفي وصار عندي الفضول لفتح أي كتاب تاريخي بغية شم هذه الرائحة لكن لم أكن حينها أعرف أي كتاب تاريخي، فلم أحظى بفرصة لإختبار هذا القول والتعرف على هذه الرائحة..

فهمتُ فيما بعد أنه كان يقصد أن تاريخنا مليء بالحوادث الاجرامية والحروب وسفك الدماء.. ثم عرفتُ بعدها أن هذه الرائحة لا تقتصر على التواجد في تاريخنا وحسب، بل هذا هو ديدن البشرية على أي مكان في هذه الأرض.

غير أن هناك روائح مشرفة قد تدفعنا الى الفخر مرة، وقد تحرجنا مرة أخرى وتسألنا: وأنتم؟.. إنها رائحة العلماء الذين أنتجتهم أمة العرب، الذين أنتقلت من مرحلة التدوين الى مرحلة التأسيس وإلهام الكثير من العلماء، من الطوسي أحد المؤثرين بكوبرنيكوس الى غيره من العلماء الذين إهتموا بالفلك والطب وبقية العلوم.

السلوك البدوي عند العرب الذي كان يسكن الكثير منهم حتى تناوله القرآن والإسلام في بداية ظهوره وحاول الحد منه، لم يكن هو السلوك الوحيد البارز فيما بعد، فقد ظهر الاهتمام بالعلوم والترجمة والفلسفة والطب، حتى صرنا قبلة العالم ومضرب أمثالهم حتى في العلوم الانسانية.

كان التنافس قائم، فهناك من يقضي ليله للبحث عن علاج لمرض ما كإبن سينا وفي الليلة ذاتها هناك ربما من يبحث عن مخرج فقهي يكفّر به ابن سينا ويهدر دمه هو وكل من سار على خطاه ونسج على منواله.. ولا أدّعي هنا أن المهتمين بالعلوم أكثر من المهتمين بالتكفير.

وحيث كان العقل يأمل أن يتغلب فسطاط أهل العلم على أهل التكفير ويسود مكانه، وحيث كنا نأمل من المجتمع أن يدرك أن نقاط قوته لا تكمن فيما تسوّقه لنا الثقافة التي لا ترى سوى فتل العضلات وتخشين الأصوات والصراخ هي عناصر القوة الأهم، للأسف تغلبت هذه الثقافة، وجيّرنا لخدمتها حتى مناسباتنا الدينية والاجتماعية وكل شيء.

نحن نعيش في العالم الذي قد تحرك سياسته وتقلبه رأساً على عقب بضعة تغريدات في تويتر تصدر من بعض الرؤوساء، رؤوساء الدول، ورؤوس الأموال.. لكننا لا زالنا نفكر بعقلية أن الفخر بالقوة مصداقه الوحيد هو أننا نعرف كيفية استخدام السلاح، وتلقي الرصاص.. رغم أن هذه الأمور ما هي إلا أدوات طارئة تتكفل بها مؤسسة حكومية ولا علاقة لها بالفخر في هذا الزمان.

ربما كان السابقون يدركون جيداً أن العلم، والتقدم الطبي والفلكي وحتى الصناعي هو مصدر القوة الحقيقية بدلاً عن الصراعات التي يلهي بها الحكام، لهذا أشعر أن التاريخ يوبخنا كل ما نظرت إليه، يوبخنا لأننا لم ندرك الى الآن مصادر القوة المتمثلة بالصناعة وقوة الاقتصاد وحنكة أهل السياسة، ولم يعد للسلاح من شأن سوى مع الدول التي لم تلتحق بركب هذا العالم وليس هذا مزعج بقدر ما أن هذه الشعوب نفسها إفتنعت بهذا القدر ولم تنوي الى الان أن تلتحق بهذا الركب.

وما دمنا نعيش أيام محرم الحرام فلا زال فينا من يشعر أن القامة والسكاكين هي مصادر قوة، يضرب بها رأسه ويصرخ بأوداج منتفخة ليتحدى بصوته الجهوري كل العالم، ثم يعود ليعلن عن هذا الصراخ من هاتفه الذكي الذي إن بحثت ستجد أن الكثير من مطوريه ومبرمجيه هم اُناس إسرائيليون ينتفعون ويتقوون كلما اشترى هذا الانسان المسكين هاتفاً بماله المكتسب من الأجور اليومية!. ويعود بعدها ليتحدى العالم، بالصراخ..

Top