الكويت وذاكرة الكراهية

مقالات الكتاب     access_time Hello 2017/08/12 19:35 chat_bubble_outline عدد القراءات: 1388

برعونته المعهودة شن صدام حسين على الكويت حرباً في 2 أغسطس 1990 ليدخل جيشه ويعبث بأرض الجيران الكرماء، ويمعن فيهم قتلاً وتنكيلاً وسرقة مع شعارات جوفاء وحمقاء لا تعبّر سوى عن تخلف صدام حسين وجهله السياسي، ودمويته واستخفافه بأبسط القيم الأخلاقية والموروثة في التعامل مع الجار وحسن معاملته على الأقل.

هكذا صحا العراقيون من ليلة ظلماء، وجدوا نسمات الصباح تبشِّرهم بحرب سيدفعون ثمنها بطريقة عصية على اللغة من الوصف والإحاطة، حيث أنتجت هذه الحرب حصاراً مريرا كان من ثماره موت مليون ونصف المليون طفل عراقي بسبب الجوع ونقص الدّواء. الإنسانية والديمقراطيّة وشعارات الدفاع عن حقوق الشعوب التي تتبجح بها أمريكا وقفت ودخلت في جوف القسوة أمام العراق وأطفاله ونسائه ورجاله وطاقاته العلميّة والإبداعية.

ما زلنا ندفع ثمن حرباً لم نكن طرفاً فيها سوى أننا محكومون بمريض نفسي وقاتل، كان يتحرّك وكأنه شيخ قبيلة متهور لا رئيس دولة لها دوراً محوريّاً في المنطقة، كنا لا نستطيع حتى الاعتراض وتحريك ألسنتنا في رفض الحروب العبثية التي يقتل فيها أولادنا وتُرمَّل نساؤنا وتثكل فيها أمهاتنا.

لغاية الـ 2003 كنا أسرى، بطوننا تتلوى من الجوع بينما الرئيس وأبناؤه يتمتعون بالقصور والأموال، ينتهي نهارهم في النوم، وتقضى لياليهم مع المومسات وأوعية الخمر، بينما كنا نعد ساعات الليل لئلا يستيقظ أحد أطفالنا من الجوع ولا نستطيع ان نوفّر لهم لقمة يسّدون بها عذاب المعدة وطلباتها!

لم تذكّرت هذه المعاناة بحق السماء؟ لم أريد ان أنكأ جرح العراقيون وهم يطحنون بحرب ويدخلون في حرب أخرى؟! في ڤيديو أنتشر على مواقع الإنترنيت تتحدّث به النائبة الكويتية صفاء الهاشم عن زيارة الفنان العراقي كاظم الساهر للكويت، تقول: "لا هلا ولا مرحبا، ولا أطيق سماع اللهجة العراقية" ثمّ تقول "لا أقول الغزو الصدامي بل الغزو العراقي". ولا يعنيني موقفها من الساهر، بقدر ما يهمّني حقدها على اللهجة العراقيّة والعرقيين.

في الدول المتقدّمة حين يريدون أن يبدأوا صفحة جديدة مع دولة أخرى بعد صراع مرير، يتذكرون كل المشتركات من لغةٍ ودين وثقافة، الخ. لكن في منطقتنا لا يستحضرون إلا منطلقات الكراهية وازدياد الحقد بين الشعوب لأنهم فارغون من الإنجاز! نخب سياسية تستقطب الناس في الصراع والصراخ والخصومات القذرة، وليس في قاموسهم شيء أسمه امتلاك القلوب بالإنجاز، حتى عمليّة استقطاب النُخب الواعية يتمّ عبر الرطن اللغوي والزخرفة اللفظية المستنسخة، هذه نخب لا تكون ثملة إلا حين يدخل الكلام في إطار التنطع!

شخصياً، أشعر بالأسى لأجل أهلنا في الكويت، وجزء من فرحي بسقوط صدام هو تخلّص العراقيّون وجيرانهم من رعونته وتخلفه، وقد كتبت في ذكرى الغزو: ان العراقيين يحبون الكويت ولهم معهم مشتركات وذكريات كثيرة ونتمنى ان يفصل الكويتيّون بين صدام وشعب العراق، فالسياسة ومنعطفاتها لا تمثّل تمنيات الشعوب ومشاعرهم، سيما إذا كانت قائمة على الديكتاتورية والشمولية.. لكن يصر البعض على وضعنا بجريرة لم نرتكبها ولم نشارك فيها!

ليست اللهجة العراقيّة عاراً، ولا العراقيّون أهل حروب .. والعراق لم تُبنَ ذاكرته وعلاقاته على صدام حسين، لكن مع هذا دفعنا ثمن هذا الرئيس المجرم .. ماذا تريدون ان نقدم بعد؟ هل يعجبكم حصار ثانٍ يقضي على آخر الأنفاس لدينا؟! هل نوقع بالدم أننا لم ولن نرض بحرب الكويت ولا أي حرب أخرى؟! هل يعلمون إن العراقيّون حين يُساقون إلى المذابح والمحارق لا يملكون إرادتهم، بل ان هناك من يحمل سلاحاً ويقتلهم بمجرّد ان يلتفتوا!

تعلمنا ان خطاب الكراهية لا ينسجم مع سياسي محترم، إنما هو خاص بتجار الدين والسياسة وأهل الإجرام ومرضى الإفلاس السياسي!

Top