قبّلوا أيادي العراقيات!

مقالات الكتاب     access_time Hello 2017/08/12 18:45 chat_bubble_outline عدد القراءات: 5493

لم أسافر في حياتي كثيراً، لكن سفراتي هذه، جعلتني أعرفُ بعض أنواع النساء، اللواتي يختلفنَ عن العراقيات بأشياء كثيرة، وكنتُ أتمشّى في شوارع المدن المُختلفة هذه، وأنا أقرأُ صحائف الوجوه المؤنثة، فلا مدخلَ لمدينةٍ أرقّ من نسائها، وكنتُ أُشدَهُ بالاختلاف، والاختلاف كبير، لكن هذه الوجوه البيض، ناعمات العيون مثل اليابانيّات، وكبيرات العيون ونقيّات البشرة مثل البيلاروسيات، والصلبات المِغناجات مثل اللبنانيات، والفارسيّات في طهران بقاماتهن الممشوقة، وخطواتهنَّ السريعة، لم أكن أرى منهنَّ إلاّ لمحةً سريعةً، تُشبه الفرق تماماً بين كوبٍ صغيرٍ جداً من الماء البارد، وبين منَ أراهنَّ نهراً طويلاً وعريضاً ونقيّاً، مثل العراقيات.

والموضوع ليس "تشجيعاً للمنتوج الوطني"، وليس ادّعاء ما ليس فينا، أنا شخصياً من كارهي نزعة "أسياد العالم، وأذكياؤه نحن!"، الموضوع يتعلّق بهذه النساء، النساء التي ولدنا بينهنَّ، منهنَّ، وقربهنّ، ثمّ أحببناهنّ، وتزوّجناهن، وأنجبناهنّ. وهذه النساءُ لسنَ نساءً، ليس بالمعنى البشريِّ للكلمة أبداً، الأمرُ له صلةٌ بالأرض، بأسلاف العراقيات، لكل إلهةٍ كانت تُعبد، قبل أن تهبّ رياح الصحراء التي حوّلتها من إلهة إلى تابعة للذكر!

الأنثى العراقيةُ منظومة نساء، كلّ امرأةٍ منهنّ هي نساء، وبالنسبة لي: لا توجد امرأةٌ قبيحةٌ أصلاً، هناك ما هو أبعد من الجسد، البدن واللحم والعظم والشحم، هذه مجرّدُ ثياب على شيء أعمق، وهذا العميق العميق لا يُلمس، هو مثل الأثير، يحيطنا ولا نراه، ينتشرُ مثل النسيم، يتداخلُ بيننا وبيننا ليصنع منّا رجالاً أفضل.

العراقيةُ هي أمٌّ وحبيبةٌ وطفلةٌ بذات الوقت، حاربهنَّ اللهُ كيف يتنقّلن بين هذه الأدوار المختلفة برشاقة فراشة! كيف تكون أكثر صلادةً من الجدار، تسندك حتى إن وقف شياطينُ الإنس والجّان ضدّك، كيف لهنّ القدرة للسهر لعدّة أيّام؟ لا أعلم! كيف يخرجنَ من الغبار والوضع الأمنيّ السيء والتوتّر والطقس الحار، لتكون إحداهنّ حبيبةً رقيقة وكأنها لم ترَ سوءاً في حياتها، أيّامها دلالٌ وترف، وابتسامتها ابتسامة طفلة!

من أين ينبع هذا الجمال؟! ليس جمال البشرة، ولا الشفاه، ولا النهود ولا قامة البان، هو الروح التي تنعكسُ على الجسد، والكلام، مَن منكم عشقَ امرأةً غير عراقية، ورآها ترجفُ أمام كلمة "أحبكِ"؟! أيّ النساء الأُخريات، من العالم كلّه، يكادُ يغمى عليها إن مُسّ كفُّها؟ تلك التي تصيبها القُبلة الخفيفة بالشلل اللحظيّ، أجمل أنواع الشلل في العالم؟

السَّمراواتُ الحنطيّاتُ، غير الملوّنات مثل الأوروبيّات. البيضاوات الحليبيّات، بياضهنّ عراقيّ، يختلفنَ عن نساء العالم كلّه، والاختلاف الأساسيّ في الموضوع، ينبعُ من الهشاشة اللطيفة التي في دواخلهنّ، تلك التي تصنعُ الرجلَ، الذي يضعها بين الجفنِ وبين البؤبؤ في عينيه.

هذه الهشّة، التي تخدشُها كلمة، هي ذاتُها التي قضت في الحصار الاقتصادي عقداً من الجوع، صلبةً ومقاومة، هي التي تقفُ أمام الباب تنتظرُ ابنها، حتى تصيرُ شجرةَ انتظار وقلق، أجملُ الكاذبات حين تُخفي عن الآباء "مكسورات" الأبناء، اللواتي يغضبنَ على أبنائهن، يضربنهم، ثم يجلسن يبكين قربهم لأنهم يبكون!

من أيّ الكواكب جئتِ أيّتها الأنثى العراقية؟! من أين جئتِ حتى لا تجعلي لنساء العالم طعماً آخر؟ من أين لكِ سحر الألف المفتوحة في البصرة؟ وطعم الدهلة في ميسان، والتبغدد في العاصمة، وسطوع الذهب في النجف، وسحر الآلهة في بابل، والغين الملفوظة خمراً في الموصل؟!

من أين جئتِ يا كلّ العالم، تلك التي يكون العالم أمامها، مجرّد "لعّابات" ملوّنة، بلا روح، من أين جئتِ، لتكوني السبب الأكبر الذي يجعلُ العراقيين يواجهون حياتهم في جحيمهم اليومي؟! 

Top