المقامة التمّوزيّة

مقالات الكتاب     access_time 2017/07/17 20:19 chat_bubble_outline عدد القراءات: 1600

تمّوز أقسى الشهور قطعاً، وأدناها إلى مزج الذكرى بالرغبة، ولكن أيّة ذكرى وأيّة رغبة؟ الذكرى البغيضة طبعاً.. ذكرى القاعة رقم اثنين في الشعبة الخامسة من مديرية الإستخبارات العامة القائمة على كتف دجلة في الكاظميّة ببغداد. وهي بالتأكيد لا تحمل ذكرى سيّئة لي وحسب، فهي المكان الذي تمّ فيه تنفيذ حكم الإعدام بأعنف رئيس دولة على الإطلاق وأكثرهم مُقتاً للإنسانيّة. وإلاّ فما الدافع من زجّ هذه الحشود من الشباب ذوي الأعمار الغضّة في هذا الصندوق الإسمنتيّ المقفل، وفي هذا الشهر الذيّ (يتبوّل فيه الحمار دماً) بالتعبير المحلّيّ الدارج، كنايةً عن (بروفة جهنّم)، جمرة القيظ التي نعيش فيها، بل وندعو أحياناً من نحبّ إلى شرب"استكان شاي" تحت شمسها اللاهبة، وفي عزّ الظهيرة.. بل وعلى قارعة الطريق!

للدكتور طيّب الأثر، الشيخ علي الوردي، مقالات كانت تُنشر في منتصف الثمانينيّات من القرن الماضي في صحيفة اتّحاد الصناعات العراقيّة، المسمّاة (الإتّحاد)، جمعها وبوّبها الباحث الدؤوب الصديق (سعدون هليّل) وأصدرها في كتاب أسماه (علي الوردي في النفس والمجتمع). وحدث أنّي وقعت على هذا الكتاب بعد لأيٍ، فوجدتني مشدوداً إليه حتّى إنّي أنهيتُ قراءته في جلسة واحدة. وما أثار عندي الرغبة في كتابة هذا الموضوع، بلّ فلأقل ما هيّج عندي الذكرى لأكتب بتأثير عنه، هو حرّ تمّوز الذي أكتب بتأثير آخر منه في ظرف انقطاع التيّار الكهربائي بسبب انفجار المحوّلة التي تغذّي الحيّ -لزيادة أحمال التچطيل عليها- وعطل المولّدة التي تُغذي المنزل بالكهرباء أوقات الإنقطاع، وفي آن واحد... إذن، وكما غنّى صباح فخري:

أنا في سُكرين من خمرٍ وعينِ     (واحتراقٍ) في لهيب الشفتين

يقول (الوردي) في واحدة من مقولاته، وأنقلهُ حرفيّاً من كتاب (هليّل) إيّاه، دعاه بـ(التجارب المنسيّة):

"إن الإنسان كثيرا ما تمر به حوادث سارة أو مؤلمة ثم ينساها بمرور الزمن وهو يظن أنّه نسيها تماما ولكنه لا يدري أن الرقيّ منها ظلت كامنة في أعماق لاشعوره وهي تؤثر في سلوكه أو تفكيره على وجه من الأوجه. خذ على سبيل المثال رجل رأى امرأة لها شيء من الشبه بأمه التي ماتت من زمن بعيد فهو قد يقع في حب المرأة من النظرة الأولى ويعدها جميلة جدأ بينما هي في الواقع ليست جميلة بالدرجة التي يتصورها وقد يعجب الناس من شدة حبه لها لأنهم لا يعرفون السبب اللاشعوري الذي دفع إلى ذلك، وخذ مثالاً آخر في رجل حدثت له حادثة مؤلمة في وقت كان يسمع فيه أغنية معينة فإن هذه الأغنية تبقى مرتبطة في ذهن الرجل في الحادثة المؤلمة، ‏وهي قد تكون في المستقبل من أبغض الأغاني إليه دون أن يعرف السبب الكامن وراءها. وخذ مثالاً ثالثاً في رجل كان له عدو من سالف الأيام وكان يكرهه كرهاًشديداً ثم مات ذلك العدو ولكن ذكراه ظلت كامنة في ذهن الرجل فهو لا يكاد يرى أحداً يشبه ذلك العدو في بعض ملامحه أو حركاته حتى يشعر بالكره له وهو قد يعلل هنا الكره بتعليلات أو تبريرات وهمية يختلقها لنفسه ولو أنه بحث في أعماق لاشعوره لوجد السبب الحقيقي كامناً فيه".

هنالك إذن بواعثُ على تذكّر حدثٍ ما بتأثير اقترانٍ ما. شيءٌ آنيّ يحدث حاليّاً سيجعلني أستعيد ذكرى عمرها قارب الخمسة والثلاثين عاماً.. ذكرى تمّوز قصيّ في الذاكرة، ارتبط برائحة معيّنة أشمّها الآن.

يقول كتّاب التأريخ أن الكثير من الانقلابات الثوريّة حدثت في هذا الشهر، مصر على سبيل المثال في الثالث والعشرين من 1952، وفرنسا والعراق في الرابع عشر منه بفارق 128 سنة، والعراق ثانية في السابع عشر منه، اليوم، والثلاثين. أمّا جدّتاي فقد كانتا تدعوانه بـ(تيموز) وتصفانه على أنّه (ينشف الماي بالكوز) أيّام كان الكوز يقوم مقام برّاد الماء المنزليّ، العاطل الآن بتأثير (رجوع الوطنيّة). وكانتا تعلّلان سخونة هذا الشهر بأنها حاجة الرطب لكي يُطبخ، وهما لا تُدركان أن رطب بلدان الكرة الأرضيّة كلّها ينضجُ دون الحاجة لفرن الشواء هذا الذي يتطلّبه الرطب خاصّتنا. والذي يتزايد سخونة بمرور السنوات حتّى أنّ بعض الباحثين بشؤون البيئة رجّحوا أن الأعوام المقبلة ستكون أكثر سوءاً بسبب من التصحّر وقلّة مصادر المياة والاحتباس الحراري الذي تسببه عوادم السيّارات ومداخن المصانع وما إلى ذلك. وفي العام 1977 الذي ارتبط بحفلة شرهان گاطع الثوريّة المؤرّخة بسبعة سبعة سبعة وسبعين (فندق العروبة ساحة أمّ البروم)، أقول في ذلك العام سبق وأن أعلن أحد أيّام تمّوز عطلة رسميّة بسبب بلوغ درجة الحرارة فيه إلى خمسين مئوي، وهي درجة غير مسبوقة، بعد أن كان كلّ من مرّ بالعراق من الرحالة يصف درجة حرارته على أنّها جهمنّمية لأنها تقارب الـ 120 فهرنهايت، أي أقل من 50 مئوي.

هذا شهرٌ عجيبٌ إذن، ليس بدءاً من أوّل أيّامه الذي أشكل عند الحكومة السويديّة أن عدد العراقييّن المهاجرين المسجّلين على أنّهم مولودون في الأوّل منه تحديداً، عدد غير معقول، والأمر لا يحتاج إلى توضيح بالطبع، فأكثر المولودين قبل إحصاء 1957 لم تكن بيانات ولاداتهم تتضمّن تأريخ يوم الولادة، فحُسم الأمر على أنّه يوم الأوّل من تموّز باعتباره منتصف العام، وحملت الأرقام الشخصية لبضعة عشرات من الآلاف من عراقيي المهجر، هذا التأريخ، ممّا حدا بالسويدييّن إلى أن يرفضوا تسجيل المزيد من اللاجئين العراقييّن على أنّهم من مواليد هذا اليوم، لأن الأرقام الشخصية لكل مواطن، والتي تتضمن يوم وشهر وسنة ميلاده، قبّطت!

عليّ إذن أن أعود إلى تجارب علي الورديّ التي دعاها بالمنسيّة، وهي بالتأكيد ليست كذلك، فما حرّك عندي هذه الذكرى، رائحة العرق التي يفرزها الجسم البشريّ طبيعيّاً بفعل الحرّ، التي أشمّها الآن، والتي عادت بي إلى العام 1983 بالتحديد، إلى تلك البقعة من الكاظميّة، وفي تلك الظهيرة القائظة، حيث تكوّمت العشرات من أجساد الشبّان المتعرّقة بعضها إلى بعض، الظهيرة التي أكادُ أن أميّزها الآن، بفعل تلك الرائحة وهذه. ورغبتّي الشديدة ساعتها بالحصول على زجاجة بيبسي كولا باردة فقط، لا أكثر.

Top