أقصر رئيس وزراء عراقي

مقالات الكتاب     access_time 2017/07/11 20:09 chat_bubble_outline عدد القراءات: 37311

قصيرٌ وكرّاديّ، والنّاسُ تعوّدوا في بلاد ما بين النهرين على قائدٍ طويلٍ وذي صوتٍ جهوريّ، وابن ريف، أو على الأقل: قيمُ الثأرِ لديه هي الثابتة، والصوت العالي، و"وطنٌ تشيّدهُ الجماجمُ والدمُ"، فماذا يفعلون بهذا الإسلاميّ ذي اللحية الخفيفة غير السخرية منه؟ فسخروا.

ساعدَ بذلك الموضوع، بنطالٌ غير مرتب، في لقطةٍ فوتوغرافيّة، وإشاعاتٌ تتحدّث عن بيعه الكبّة في لندن، ثمّ مقطع الفيديو مع أوباما، وكلُّ ذلك كان مؤجَّجاً من قائدٍ طويل، وذي صوتٍ جهوريّ، وابن ريف.

تظاهرنا عليه، دعمتنا المرجعيّة، فنشرَ حزمة الإصلاحات، خرجنا لتحيّته، لكنّه خيَّبَ ظنّنا، وملأ صدورنا قرحةً، لعدم قيامه بعملية إصلاحٍ جذريّة، وخفتت ضجّة التحرير، وعدنا إلى منازلنا، متعجّبين من هذا القصير الذي حاز على دعم كلّ المخلوقات الحيّة في العراق، ولم يفعل شيئاً، ولم يُخرج اليد الحديديّة من الدُرجِ حتى!

شخصياً، لا أفضّلُ القادةَ الصارخين، فهم أفشلُ طبقات القادة كما يُخبرنا التاريخ، ثأريون، يحلّون المشكلةَ بمشكلتين، ويموتون بشكلٍ مخجلٍ غالباً، فقلتُ: لعلّ هذا القصير يكون مختلفاً!

ورغم أنه ينتمي لأكثر حزبٍ أكرهه في تاريخ حياتي، بمرتبةٍ تقفُ تماماً مع حزب البعث العربي الاشتراكي، إلاّ أنني لم أشمّ من خطاباته رائحة أصحابه، أولئك الذين يركبون الطائرات إلى لندن وقم والدنمارك، مع حقائب مليئة بعملات الغرب الكافر.

هل أجرؤ لأن أرى هذا النهج إيجابياً؟ وسط نظرةٍ عراقيّة بتسويد كلّ شيء؟ تُريح العقل مع التدقيق بالتفاصيل؟ لا أعلم بعد!

البلادُ على حافة الإفلاس، الولايات المتحدة تسحبُ سكّينها على مَن يميلُ لإيران، وإيرانُ تسحبُ سكّينها أيضاً على مَن يميل للشيطان الأكبر، والسعوديّة تسحبُ "خنجرَها" أيضاً، فكيف سينجحُ هذا العنصر، الذي وصفه سياسيّ زميلٌ له، بأنه "أغبى عنصر في حلقة حزبية"؟!

أسعارُ النفط "الكبيرة" اختفت، وداعش يجلسُ وراءنا وأمامنا وبيننا، والمفخخاتُ تطحنُ الأوّل والتالي، الزعيمُ الكرديّ يفردُ عضلاته، والقائدُ الطويلُ يحرّكُ جيوشاً ألكترونيّة، وجماعةُ "قادمون يا بغداد يتهددون"، فماذا سيفعلُ الكراديُّ اللندنيّ بهذه الحالة؟

كنتُ أراقبُه وهو يعالجُ الأزمات، لم يصرخ، لم يصف أحداً بالفقاعة، ولم يدفع الزعيم الكرديّ إلى فرد عضلاتٍ أكثر، كان يُميتُ المشاكل بالبرود، حتى كأنني أتخيّله رئيس وزراء حاصلاً على شهادة الدكتوراه بتذوّق النبيذ، وأنه لا يمتلك شيئاً من الطبائع العراقيّة الأربع: الدم والصراخ والشتم والغضب!

الوقوفُ في الوسط، حيثُ الجميعُ أصدقاء وأنصاف أعداء، لا بأس به، لكنني ما زلتُ لا أثقُ به، فهو جزءٌ منهم، يحملُ لسانهم، ووجههم، لم يقدّم استقالةً من حزبه كما تصوَّرَ الحالمون، لكنه كسب ودّ عديدين، وجعل الجحيم العراقي ينخفضُ قليلاً، وما زلتُ لا أثقُ به!

لا أثقُ به، لأن كثيرين وثقوا بالقائد الطويل وانقلبَ إلى صدّام سريع، لأن كثيرين وثقوا بهم، وخيّبوا آمالنا يوماً بعد يوم، لكن مع هذا، قلتُ إن القصير هذا لا يصرخ، ولا ينادي بذبح الآخرين، ويحاولُ القبض على الجمرات السنّية والشيعية والكردية في وقتٍ واحد، لننتظر!

أقصرُ رئيس وزراء عراقيّ، منذ تأسيس الدولة العراقية، وأرفعهم صوتاً، وأقلّهم صراخاً، حتى الآن يقود الأزمات بحلول، بعضها ترقيعيّ، لكنه بدأ يساهم بأن نعود لنثق بسقفٍ عراقيّ واحد، وأن يظهرَ في صورةٍ جماعيّة، مع "عسكرٍ" نحبّهم!

أقصرُ رئيس وزراء عراقيّ، إيجابيّ حتى الآن، نسأل الله، وكلّ الآلهة من الإغريق حتى الآن، وكلّ الأولياء من الخضر حتى سيّد صروط الاسماعيلي، وكلّ المعابد، أن لا يتحوّل إلى زعيمٍ طويل، يصرخُ ويهدد، ويمنحُ ثلث العراق لداعش، أو يتمّ العثور عليه في حفرة! 

Top