غضب إلهي

مقالات الكتاب     access_time Hello 2017/11/14 19:25 chat_bubble_outline عدد القراءات: 454

جاءت حادثة الهزة الارضيّة في العراق لتفتح لنا آفاقاً من السخرية والاستهزاء بهذا الخطر في الطبيعة، والذي تخاف منه الشعوب بشكلٍ كبير لأنها جربت آثاره المريرة، لكن العراقيّين ولأنهم تعودوا على الأخطار والمصائب، فقد تحوّل الموضوع إلى طريقة للتندر وإفشاء السخرية والضحك المفرط. ليس هناك شيء يذكر يخاف منه العراقيّين، حتى الموت كان صاحبهم الوفي لمدة أربعين عاما.. لا استغراب ولا وجوه شاحبة.. ما معنى أن يخاف الإنسان من هزة أرضية وقد فقد في ساعات قليلة ١٧٠٠ شاب؟!

أو ٣٠٠ شاب في انفجار واحد؟! لم يبقَ شيء لم نجربه يا إخوان، انقلابات واستبداد ومقابر جماعية وحروب وانفجارات واحتلالات، وارهاب، وموت يدور علينا مع الهواء، وأخيرا؛ هزة أرضية، ربما تكون تافهة وسخيفة في نظرنا بعد كل الذي مررنا به!* لكن الغريب؛ ان بعض الشباب في الكافيهات والمقاهي وأماكن الترفيه توجه أكثرهم إلى المساجد والحسينيات لأداء الصلاة والأدعية خوفاً من الله، وان هذه الهزة جاءت غضباً علينا، نحن الذين لا نعرف غير المعصية والذنوب والفسوق والفجور.

تصوّر ان كل هذه الكوارث التي مرّت على العراق لم تكن غضباً، إنما الهزة الارضيّة "الطبيعيّة" كانت غضباً من ربنا ورب السماء! ‏وفي الحقيقة، ان وجود الأديان، وملجأ الإنسان إليها يكون في هذه الأوقات بالعادة، وهي كما يقول ماركس بما معناه : "الدين زفرة المأزوم". لكنّها أصبحت فكرة قديمة بعد تطوّر الإنسان، وانتشار العلوم التجريبية والتكنولوجية، ومعرفة الظواهر الطبيعية، ومتى تنشأ ومتى تنتهي.. لكن العرب وبشكلٍ عام، وبسبب تأخرهم الفكري والثقافي يعتقدون ان الظواهر التي تحدث في الطبيعة غضب إلهي أصابهم، بينما هي حالة سائدة، وبالإمكان معرفتها وتحليلها علمياً، ولها أسباب وجذور، يمكن لأي إنسان ان يطّلع عليها في الإنترنيت.

ولأن ‏التصوُّر الذي نحمله عن الله والدين هو قديم ولم يتخطى أفكار الإنسان القديم، وهي ان الإله عنيف وعدائي، وليس لديه رحمة ورأفة، ويعاملنا كأننا أطفال حالما نخطأ يصفعنا بعذاب مُبين، لهذا انصرفت أذهاننا في الهزة الارضيّة نحو الغضب الالهي مباشرةً! وللإنسان ان يسأل: ما نفع الدين ان اقتصر وجوده على عذاب الإنسان والتنكيل به في الطبيعة والأرض وغيرها؟! ما ذنب الأطفال، النساء، الشيوخ. الخ.

و‏معروف في الأدبيات الدينيّة الأصلية "وما أرسلناك الا رحمة للعالمين" ومثلها كثير، لكن فقهاء مواقع التواصل الإجتماعي يؤكدون على ان الدين هو غضب مستمر، وليس رحمة، غضب يتجلّى في الهزَّات الارضيّة والكوارث الطبيعية، لأن سيادتهم في الترهيب والتخويف، وتحويل الإنسان إلى خانع وغير منتج، يبقى خائفا الى ان يموت! ‏ داعش يسبي النساء ويذبح الأطفال ويدمر الأوطان ويرمي من شاهق ليس غضباً إلهيا.. إنما هزة أرضية طبيعية تكون غضب إلهي، ولابد ان نترك كل شيء، ونتوجه للمساجد وبيوت الدعاء، ونتوب توبة نصوحة.. نتوب عن ماذا ونحن نأكل الضيم ويأكلنا؟! لا ندري، ولا نعرف.

*وفي العودة الى تعاطي بعض العراقيين مع الهزَّات الارضيّة، فإنني رأيت شاب كتب : "لو صدام حسين موجد هم تصير هزة؟!" فهي ليست تعبّر عن الوعي الديني المتدني فقط، إنما إلى تراجع الوعي السياسي، والانقسام في كل شيء، حتى مع الظواهر الطبيعية، دينية ام مذهبيَّة، صدامية ام مالكية.. ليس لنا مشتركات حتى في كارثة كادت ان تؤدي بنا الى الخراب المريع، دون تمييزا ان هذا كان سنّيا او شيعيّا او كرديا! لكن حسنا فعلت الهزة حين كانت في جميع المناطق ولم تفكر في الانتماء المذهبي او العرقي، لكنّا دخلنا في أزمة خلافية جديدة الآن.

Top