ذبحوله خروف!

مقالات الكتاب     access_time 2017/10/12 18:37 chat_bubble_outline عدد القراءات: 1165

في ترجمة الأديب الشيخ (جعفر الخليلي) للخطيب الشيخ (محمد علي اليعقوبي) في كتاب (هكذا عرفتهم)، يُورد الخليلي طرفة تُنسب للأديب الفكه  السيد (محمود الحبوبي)، هي أنّ أعضاء (الرابطة الأدبيّة) النجفيّة في ثلاثينيّات القرن المنصرم وما بعدها، كانوا غالباً ما يجتمعون للترويح عن أنفسهم في ندوات ولقاءات وثّق الخليلي الكثير منها، ويروي أنّه في واحدة من المباريات الأدبيّة كان الحبوبي يمسك بديوان (مهيار الديلمي) ويتظاهر انّه يقرأ منه، بيد أنّه في الحقيقة كان يخدع الحاضرين بهدف التسلية فيقرأ شعراً يرتجله لساعته ليس فيه من معنى سوى أنّه موزون ومقفّىً، ويقف قبل نهاية البيت ثمّ يطلب من الحاضرين إكمال القافية قبل أن ينطق بها، فكان المتحمّسون ممّن يقعون ضحيّة لهذه الخدعة، يكملون حسب ما تقتضي القافية ولا يدري أحدهم أنّه يقفّي شعراً منظوماً خلواً من المعنى، فيبدأ الحبّوبي، صاحب الخدعة، باستحسان القافية ويستحلف الضحيّة بالله إن كان يحفظ هذه القصيدة من قبل، فيبدأ المسكين الذي وقع في الفخّ بأن يقسم بأغلظ الإيمان أنّه لا عهد له بها، وأنّه استنتج القافية من سياق البيت بنباهته. والحقيقة هي أنّ الحبّوبي كان يقفّي الشطر بكلمة تجعله يحصر الضحيّة في زاوية لا مجال فيها إلا أن تكون القافية هي تلك الكلمة، فعلى سبيل المثال سيقرأ الحبّوبي من عنديّاته البيت التالي:

والله إنّي بُتُّ في بلوى      من مُطعميَّ المنّ والـ....

فيبادر الضحيّة بأن يُقفّي بثقة عالية صائحاً: والسلوى.

ولطالما أعجبتني هذه الخدعة الطريفة، لأنّي كنتُ غالباً ما ألجأ إليها حين أكون في مزاجٍ رائق وطور عالٍ من الانتشاء، وحاجة للمزيد من السخرية، دفعاً لما ستكون عليه (الجلسة) من غمّ في ما لو تركت حبل الحديث على غاربه، فتكون وجهته نقاشاً ساخناً حول العبادي والمالكي وسرقات نوّاب البرلمان وما إليه مما يفسد سهرة يكون (الشيء إيّاه) سيّدها. وقد وقعت على الكثير من الضحايا من أصدقاء كانت لي معهم مناقب سيُشار إليها على أنّها (أيّام راحت بعد مترجع)، فعلى سبيل المثال سأرتجل قصيدة من الشعر العاميّ –الذي أجيد ارتجاله ببراعة يشهد لي فيها الجميع- فأنشد أمام الشاعر الحداثويّ (فلان الفلاني) ما يلي:

وين اشوفك يا حبيبي وين وين

(ثمّ أضع إصبعي تحت عيني وأُكمل):

دم على فراگك بگت تهمل.....

والنتيجة طبعاً، هتاف من أحدهم، ممّن وقع في المصيدة، صارخاً صرخة أرخميدس يوم اكتشف قانون الأجسام الطافية:

  • العين.

فأتوقّف عن الإنشاد لأسأله متشكّكاً بتصنّع غير مكشوف:

  • سامعه؟ فيجيب:
  • لا والله..

أنظر له نظرة ذات مغزى، وأستمرّ في قراءة قصيدتي:

گلت أجي الجمعة، وتنيتك ما إجيت

لا سبت، لا أحّد ولا بالـ.....

وطبعاً فالقافية النونيّة هنا أوضح من عين الشمس.

في كتابٍ شعريّ لي يُفترض أنّه قد صدر لي عن (دار الفراشات) للأطفال، كان عنوانه الرئيس هو (ألغازٌ شعريّة)، فيما جاءت في عنوانه الثانويّ عبارة: (هيّا نرسم، هيّا نكتبُ شِعراً)، حاولت فيه أن أستغلّ هذه (التحشيشة الشعريّة) في عمل أدبيّ تفاعليّ للأطفال الغرض منه هو تعزيز ثقة الطفل بنفسه في أن يكمل القافية التي لا فكاك منها في البيت الأخير (الثالث) لكلّ لغزٍ شعريّ مدعوم برسم تخطيطيّ مموّه لحيوان معيّن هو مادّة (الحزّورة الشعريّة)، على الطفل بعدها أن يقوم بمهمّة إكمال الرسم، وقافية البيت الشعريّ معاً، على طريقة الفنّان الراحل (راسم الجميلي) في حلقة معيّنة من برنامج صباحيّ للأطفال كان يقدّمه كلّ جمعة. وقصّة هذا البرنامج أنّه كان يستضيف في كلّ حلقة مجموعة من الأطفال لمدرسة معيّنة من مدارس الأحياء الراقية ببغداد، فتكون هنالك مسابقات وحزّورات وما إليه من فعّاليّات يُكرّم الأطفال فيها بهدايا الغرض منها هو نفس الغرض الذي سعيتُ إليه في كتابي الشعريّ للأطفال.. تعزيز الثقة بالنفس.

في واحدة من حلقات البرنامج إيّاه جيء بأطفال مدرسة أبناء الوزراء والمسؤولين العراقيّين أيّام حكم البعث، وكان على الراحل (راسم الجميلي) أن يُرضي جميع الأطفال ليكسب ودّ ذويهم، لا حُبّاً بهم، بل خوفاً على (لوزته) من أن تُبلع، فكان أن تقدّم أحد الأطفال للمسابقة فبادرة الجميلي بسؤال:

  • شمسك باباتي؟
  • فلا بن فلان التكريتي
  • صفگوله... (يُسمع صوت تصفيق الأطفال البريئين).
  • إبني.. الحزّورة تگول: هوّه أسد وببابل.. شنو إسمه؟ أسد با....؟
  • بل.

وبالتأكيد سيُصفّق لهذا الطفل الذكيّ النبه وافر المعلومات، وسينال جائزة من البرنامج أقول في سرّي ضاحكاً ومُقلّداً راسم الجميلي:

  • عفيّه بالبطل.. عفية بالشاطر.. إنته فزت وجائزتك سيّارة مارسدس 280S.

وعلى هذه الشاكلة ستكون حزّوراتي الشعرّية التي منها واحدة أرفق معها رسم طائر بذيل ملّون و(عرف):

تعرفني الولاةُ والملوكُ                        

أصيح في الصباح  كوكو كوكو

فلتسفيقوا! أنا أدعى الـ...

أو:

قرنان معقوفان عندي وصوف              

فقم ونقّط حاء هذي الحروف     

وقل إذا عرفت: هذا ...

  • صح.... عفية بالبطل.. ذبحوله خروف.

Top