حرب السيطرات الباردة في سهل نينوى

قيس قاسم العجرش
مقالات الكتاب     access_time Hello 2017/09/14 00:20 chat_bubble_outline عدد القراءات: 3011

 

مُقاتلون مسيحيون يحملون رايات الحَشد الشعبي.

 

 

حين يخرج المُسافر من آخر نقطة سيطرة كردية على طريق أربيل-الموصل البرّي المار بجسر الخازر ستتلقاه أوّل سيطرة(غير كردية)تحمل العَلم العراقي. نقطة السيطرة هذه تمسك الطريق العام، وكذلك تُمسك برقبة الطريق النازل جنوباً الى الحمدانية(قره قوش). لن يستغرقك سوى لحظات كي تُدرك أن الواقفين في هذه النقطة هم مقاتلون عَرَب من جنوب العراق. وينتمون الى إحدى فصائل الحشد الشعبي(منظمة بدر تحديداً). ويتواجد معهم في هذه النقطة بضعة أفراد للجيش العراقي والشرطة المحلّية(شرطة محافظة نينوى).

انتقل موقع هذه النقطة-التي تمثل عَملياً الحدود بين إقليم كردستان وباقي أنحاء العراق في هذه الأصقاع-عدّة انتقالات خلال السنتين الماضيتين.

بين عامي 1991و2003، كان جسر الخازر يمثل نقطة التماس بين قوّات البشمركة وقوات الحكومة العراقية(أيّاً كانت تسميتها). وكانت بلدة كلك(خَبات) التي تقابل بلدة آسكي كلك(التابعة لمحافظة نينوى)تمثل ممراً للتعابر. وبعد عام 2003، قضمت قوّات اقليم كردستان هذا المعبر لتصبح بالفعل مسيطرة على سهل نينوى دون أن تدخل الى البلدات المسيحية فيه. لكنها كالعادة أمسكت السيطرات على رقاب الطرق العامة في السهل مقابل تخاذل من جانب شرطة نينوى.

وفي آب من عام 2014، هاجم مسلحو داعش السهل، وهربت سيطرات البيشمركة وعادت أدارجها الى ما قبل معبر الخازر. واجتاح بضعة مقاتلين من"الدولة الإسلامية" كل بلدة مسيحية أو شبكية في سهل نينوى. وسرعان ما تمكنت وحدات من عناصر داعش من عبور الخازر، والسيطرة على بلدة(خبات)..ولم يبق بينهم وبين أربيل سوى بلدة(طوب زاوة). ومن سهل هذه البلدة، يمكن ببساطة لعناصر تنظيم الدولة الإسلامية أن يهددوا مطار أربيل الدولي الذي يبعد بحدود 10 كيلومترات فقط.

لم تسكت البيشمركة على هذا التطوّر"الغريب"في سير المعارك، واستعادت بهجمة مضادّة منطقة خَبات ومعبر الخازر. ومن الناحية الشمالية استعادت بعد شهر(أيلول 2014)جبل سردك، ثم تقدّمت باتجاه طريق الموصل فطردت عناصر داعش من الخازر، واحتلت منطقة(حسن شام)، ونفّذت سواتر ترابية وأقامت سيطرات هناك.والمثير للأمر أن القوات الكردية بقيت هناك الى غاية نهاية عام 2016، ولم تتحرك إلّا مع بداية عمليات تحرير الموصل، فاحتلت بعشيقة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. وعلى الفور تحرّكت (سواترها الترابية) لتطوّق المناطق المحررة من سهل نينوى، وتقيم سيطرات هناك، ثم سمعنا تصريحات من المسؤولين الأكراد بأن قوّاتهم لا تنوي الخروج من بعشيقة بعد تحرير الموصل.

وفي ذلك الوقت كانت قطعات الجيش العراقي تتحرك لتحرير المناطق الجنوبية من سهل نينوى. وبالفعل حررت قرة قوش(بغديدا)، وبلدة كرمليش، وبلدة علي رَه ش وبلاوات.

لكن الجيش العراقي انسحب(إلّا بعضاً من وحداته)، من المنطقة بعد التحرير تاركاً(نُسخة مَسيحية من الحشد الشعبي)، هي بالأصل عُرفت باسم (وحدات حماية سهل نينوى) التي تأسست بدعم مركزي عراقي لمسلحين تابعين للحركة الآشورية الديمقراطية.  وهذه الوحدات هي غير(قوات حماية سهل نينوى)التي أنشأتها البيشمركة وسلّحتها وتشرف عليها. في المقابل، هناك وحدات كتائب(بابليون)التي يشرف عليها الحشد الشعبي(الشيعي)بصورة مباشرة.

ما يفعله(الحشد الشعبي)المسيحي على الأرض أنه يضمن عدم تمدد سيطرات البيشمركة لتخنق البلدات المسيحية في جنوب سهل نينوى، بينما لا يزال هناك وجود للقوت الكردية(وإن كان وجوداً غير حاسم)في بلدات شمال سهل نينوى. لكن القوة المعنوية لهذا(الحشد)تأتي من رفعه لأعلام شيعية خالصة عُرفت بالعادة وحدات الحشد الشعبي برفعها. هذا بالإضافة الى عَلم يمثل الحركة الآشورية الديمقراطية وجناحها العسكري(وحدات حماية سهل نينوى).

من الصعب جداً تصوّر أن سهل نينوى المسيحي الطابع، وفيه أيضاً وجود شبكي وكاكائي واضح، من الصعب تصوّر هذا السهل وهو يلتحم بإقليم كردستان ذي الطابع القومي الكُردي. ويرفض أصحاب الرّأي البارزون في هذا السهل من مَطارنة وقساوسة ونُخب مُتعلمة هذا الإندماج القسري. ويركّزون على أنهم(عراقيون) أولاً، ومسيحيون ثانياً، وكلدان وسريان وآشوريون ثالثاً. 

والطريف أن سؤآلاً وجّهته الى مقاتل يقف في سيطرة تحرس مدخل بلدة كرمليس المسيحية عن واجبه الرئيس هنا. السيطرة كانت ترفع عَلم الحشد الشعبي الى جانب العَلم العراقي، الى جنب عَلم الحركة الآشورية وآخر مكتوب عليه(ياعلي أدركني!). كانت إجابه السؤآل أن من واجبه(التأكد)من أن الداخلين الى القرية هم ليسوا أكراداً!. وإذا حدث وأن دخل كردي فالأولى أن يكشف عن نفسه وعن الغرض من زيارته.

ابتسمت ببساطة وقلت لصاحبي:" أهلاً وسهلاً في عراق ما بعد داعش!".

نسيت أن أخبركم، أن موقع آخر سيطرة كردية قد تقدّم باتجاه الموصل عدّة كيلومترات أخرى منذ تحرير الجانب الأيسر، وصار الآن بالضبط يبعد 19 كيلومتراً شرق مدينة الموصل. أي أنه قد تقدّم عن موقعه الأصلي(قبل 9نيسان2003) بمقدار 24 كيلومتراً.

Top