حسين تقريباً

الجرذان لا تأكل المحافظات

الجرذان لا تأكل المحافظات     2017/11/19 20:01 عدد القراءات: 1812




 

كان الناس يتشاجرون معه كلما كتب صديقي أن يزيد بن معاوية شاعر عظيم، فيقولون له: أتصف قاتل الحسين عليه السلام بالعظمة؟ ويحك وويلك من عذاب الله ولقاء امه الزهراء عليها السلام في يوم المحشر أو اجتماع الناس للحساب بين يدي الله وما شابه هذه المقولات التي بات الناس يستعملونها ويهجمون بها على الآخرين بسبب أو بغير سبب.

هم لا يلحظون أنه وصف شعره بالعظمة، وأن وصف جانب واحد من الانسان بالعظمة لا يعني أن هذا الانسان هو عظيم، فمن الطبيعي جدًا أن يكون لدينا شاعر عظيم لكنّه إنسان قذر ومنحط ويرتكب أخس الدناءات، لا ملازمة بين هذه الأمور قد تحدث وقد لا تحدث.

ما بلورته المسلسلات التاريخية التي تنطوي على كثير من الكذب والتزييف للتاريخ ولشخصيات التاريخ علّمت الناس أنه من المناسب أن نُظهر الأعداء بمظهر الأغبياء المهرجين التوافه الذين لا يجيدون التفوه بسطر من الكلمات ولا يهتدون الى نظم بيت من الشعر، ربما لأننا نعتقد أن في هذا تنكيل ضروري بهؤلاء الأعداء، ولو على حساب الكذب، الذي قد ندفع ثمنه فيما بعد بأن نتحول الى اُناس لا يتعاملون ولا يواجهون الواقع، لأنهم لا يعرفون الواقع

تُخرج المسلسلات معاوية مثلًا كرجل أبله.. ومع فارق التشبيه لنذهب الى زواية أخرى ثم نعود هنا

هذه البلاهة أو قلْ: الجنون وعدم الحكمة تجد أنها تُضاف أحيانًا حتى لمن نعتقد أنهم أبطال التاريخ، فخذ مثلاً عابس الشاكري، أحد أصحاب الامام الحسين عليه السلام المعروفين، ربما ليس من مدينة يقام فيها العزاء لم يُذكر فيها أنه كان قد أندفع كالمجنون ومزّق ثيابه صارخًا أجنني حب الحسين! رغم أن هذه قصة لا سند لها، وأن التاريخ يروي عنه أنه تقدّم برباطة جأس وبأس نحو القتال، وليس ندري ما سر التعلق هذا بوصف الابطال والاعداء بالجنون والتخلي عن اتزانهم

لنرجع مرة أخرى، رغم أن معاوية لعب بالتاريخ، يحاول بعض المخرجين في مسلسلاتهم التاريخية أن يصوروه لنا انسان غير راشد، وفي الحقيقة كان من أدهى الناس وأكثرهم حيلة وتخطيطًا سياسيًا.. وهذا ليس بمدح لهذه الشخصية بقدر ما هو نظر الى الامور كما هي، وكما أتفقنا أعلاه، أن وصف الانسان بالشاعر العظيم لا يعني أنه انسان عظيم.

هكذا تفعل الدراما مع جنكيز خان أيضًا، جنكيز خان لم يكن بهذه الطريقة التي جسدتها لنا المسلسلات، كان قائدًا محنكًا ومُخططًا يعرف كيف يتصرف، ليس من قائد مجنون أبله يحرق مكتبات المدن التي يدخلها في أول دخوله لها، هذا تصرف الذي يعرف ما الذي يفعله، ويعرف أنه يمحو هذه الشعوب بمحيه لتاريخهم وكتبهم ويفقدهم أهم ما يمكن أن يدفعهم الى الثورة والعودة الى صناعة امتهم ومجدهم.

بهذه الطريقة نحن نقفز على الواقع، ونحاول تجاهله أو تسخيفه دون النظر الى حقيقته لنكن بحجم التحدي الذي يقدمه لنا هذا الواقع.. مكثنا ثلاث سنوات نستمع في التلفاز الى مقولة: جرذان داعش. على لسان المسؤولين. والجرذان أقصى ما يمكن أن تفعله هو أن تقضم قطعة من الثياب، لكن أن تقضم قطعة من الوطن تعدل ثلثه فهنا علينا أن نحترم أنفسنا وعقولنا، وأن نفهم أن هذا ليس فعل الجرذان، هذه أفعال جيش مدرب ومخطط كيف ينبغي له أن يعمل له من يسند ظهره ويمدّه بالمال والسلاح والسياسة والفكر والفتاوى الدينية والتحشيد من المنابر الدينية.. هكذا لابد أن نفهم ونعي حجم التحديات التي تعصف بنا لنعرف كيف نواجهها.

 

Top