أنت لا تشتري لوحة، أنت تشتري أمة

أنت لا تشتري لوحة أنت تشتري     2017/11/16 16:08 عدد القراءات: 3291




بيعت بالأمس لوحة لدافينشي تعد هي الأخيرة له عنوانها سالفاتور مندي، رسمها دافينشي للمسيح بمبلغ يتجاوز الأربعمئة مليون دولار في مزاد في نيويورك.

هذا الرقم المهول قياساً للوحة، وقد عُدّ كرقم قياسي وصلت إليه لوحة في مزاد.. يدفعنا لأن نسأل، لماذا؟ هل من يشتريها يعتبر نفسه مجرد هاو للوحات بأي ثمن؟ هل هو مال لا مكان له فقرر صاحبه إهداره على لوحة، وهل الانفاق هنا إهدار أصلاً.. ألهذه المسألة أبعاد أخرى، أم الموضوع محض ترف يستمتع به رؤوس الأموال في بينهم ويتفاخرون بالحصول على ما لا يستطيع الجميع الحصول عليه؟

بالعودة الى ما مرت به هذه اللوحة خلال هذه السنوات الأخيرة، تجد أن من بين الذين اقتنوا هذه اللوحة هم مجموعة من رجال الأعمال سنة ٢٠٠٥، إذن يمكن القول إن لدينا في هذه اللوحة بعداً تجارياً، فرجال الأعمال لا ينفقون عادة أموالهم إلا ما يمكن له أن يعود بالنفع عليهم، سيما إذا كان الاقتناء هنا يتشارك به عدد من رجال الأعمال، وليس رجل أعمال واحد.

ولكن يبقى السؤال ذاته قائمًا: ولماذا يكون لهذه اللوحة هذا السعر أساسًا؟

في الحقيقة، ليست هذه اللوحة وحدها من لها سعر يعد بملايين الدولارات، بل حتى المخطوطات والكتب القديمة، حتى مخطوطات ابن تيمية والمؤرخين وعدد من علماء الإسلام تعد الكتب التي وصلنا بخط أيديهم من النوادر التي تُباع بملايين الدولات (نتحدث عن عدد قليل من الملايين، لا عن عشرات أو مئات كما في هذه اللوحة) فما هو السر الذي يجمع كل هذه الأمور وغيرها ويجعلها تباع بمزادات ولا يمتلكها إلا من له الاستطاعة على بذخ الملايين من الدولارات؟

لو سألنا قبل هذا السؤال سؤالاً آخراً قد يبدو للوهلة الأولى لا علاقة له بالموضوع: ما الذي يخلّد الأديان، أو الشرائع، أو تاريخ وثقافة شعب ما؟!

يبدو السؤال غريبًا، لكن لا بأس، في تأمل بسيط إزاء هذا السؤال نجد أن ما يخلد المجموعة الدينية هو كتابها، ما يخلد تاريخ الشعوب وثقافتهم هو الفن والأدب والكتب.

لذلك ترى الكتاب محارباً عندما يُحارَب شعبه! ولذلك ترى اندثار الأقوام الذين مرّوا بالتأريخ إذا لم يكن لديهم كتاب أو فنّ يخلدهم ويحافظ على وجودهم.

لذلك ترى جنكيز خان في دخوله للمدن أول ما يفعله هو إحراق المكتبات! وإتلاف المخطوطات ورميها في النهر، وليس هذا تصرفاً اعتباطياً، فإن ما يعيد الشعوب الى ما كانت عليه هي كتبهم، مخطوطاتهم، الأدب والفن والذي خلّدهم.

كنت أقرأ قبل أيام مخطوطة للسيوطي، وهي مخطوطة لكتاب له بعنوان: منهل اللطائف في الكنافة والقطائف! وسألت: ما الذي يدفع عالماً كالسيوطي صاحب كتاب (الإتقان في علوم القرآن) أن يكتب عن الكنافة والقطائف؟ أنه يكتب ليخلد قطعة من زمانه بثقافتها وعاداته وما تستأنس به وترتاح إليه، لكي لا تندثر هذه القطعة من الزمن وتذهب في حيز العدم بعد مرور السنوات عليها.

حينما نتحدث عن لوحة لرسّام بحجم دافينشي للمسيح المرسومة بين عامي ١٥٠٦-١٥١٣ وغيرها من اللوحات والكتب والمخطوطات، فنحن هنا لا نتحدث عن حبر وألوان وورق.. نحن هنا نتحدث عن مقطع من الزمن يمثل ويخلد أمة مع تاريخها وثقافتها وفنّها.. أنت هنا لا تشتري مجرد لوحة، أنت تشتري تاريخ أمة كاملة كان من الممكن أن تختفي من الوجود لولا أن خلدها الفن، وخلدتها الثقافة والكتب.

Top