شكو عليكم.. متونسين

شكو عليكم متونسين     2017/10/26 15:02 عدد القراءات: 3414




يتأفف ويتنهد، يسحب نفسًا من سيجارته ويخرجه بحرقة، يتلفت والضجر يتطاير من عينه، انتبهتُ لملابسه الرثة، وحذائه الممزق، واضح جداً أنه من عمّال الحرف اليدوية، يعمل عند حداد أو هو حداد، ربما يعمل في موقف لتصليح السيارات، أو ما شابهه.

كان يجلس بجانبي في الكيا، ويطيل النظر من النافذة، حتى إذا سارت أو وقفت بجانبنا سيارة يقودها شاب مع أصحابه، أطلق حسرته تجاههم بينه وبين نفسه بصوت قد يسمعه كل قريب منه: شكو عليكم! متونسين.

كان يطلقها بحقد وحسرة، ربما لو تمكن منهم لأبرحهم ضرباً، أو لشتمهم رغم أنهم لم يفعلوا أي شيء خاطئ سوى كونهم يتجولون، أو ربما ذاهبين الى عملهم.

كانت تغيظه كما يبدو الملابس الأنيقة، والسيارات الفارهة، والابتسامة على وجوه الشباب التي يفتقر إليها ولا تزور وجهه الا مرة واحدة بالشهر ربما، من يدري.

في قصة قريبة من هذه أخبرني أحد الجنود في زمن صدام وعند عودته من الجبهة بعد مكوثه بها لأشهر دون أن يغتسل حتى أنه أبرح شاباً أنيقاً من الضرب عند رؤيته له في "الريم" لا لشيء إلا لشعوره بالحنق والغيض من ملابسه النظيفة وقميصه الأبيض وكونه يرابط في الجبهة وهذا الطالب يداوم في الجامعة أو المعهد مع جمع من الفتيات يلفح وجوههم التبريد صيفاً وتحيط أجسادهم المعاطف الدافئة شتاءً!

كما يبدو فإن غضب الانسان من واقعه ومن الطريقة التي يعيش بها تدفعه لأن يقارن مقارنات غير منطقية، ولا علاقة لها بالعقل والحكمة والتصرف العاقل، ومن هذه المقارنات المقارنة التي ألبسها ثوباً الشاعر الشعبي الذي لا أعرفه حين كتب ويالسوء ما كتب:

وعلي عدنا زلم كشختها سحب اقسام

مو كشخة زلم منتظرة عيد الحب!

لم يفهم أحد من البشر وجه هذه المقارنة، لكنها مقارنة مشابهة للأحداث أعلاه، وقد نلتمس العذر لمن يفكر بهذه الطريقة لسوء الواقع الذي يعيشه، فليس من المنطقي أن ننتظر على الدوام تفكيراً طبيعياً من أناس لا يعيشون الظروف الطبيعية، ومن هنا قد يأتي العذر، لكن أن تتحول هذه الحسرات والتنهدات اللامنطقية الى نمط للتفكير الجمعي فهذا ما لا عذر فيه.

شاع هذا التفكير عندنا في السنوات الأخير، حتى نُشرت صورة لمقاتل عراقي من قوات مكافحة الإرهاب يحتفل مع وردته الحمراء بعيد الحب! صورة تلقن كل ذاك العبث درساً واضحاً: أنا مقاتل ضد داعش، أجيد سحب الأقسام وإطلاق النار، واجيد الاحتفال بعيد الحب، لا تناقض بين الأمرين!

بهذه الطريقة تستمر مقارناتنا اللامنطقية التي نعتقد فيها أن ظروفنا الصعبة مبرر لسحق حياتنا وحياة الناس معنا، وربما تذكرون معي ما حدث عند تفجير منارة الحدباء من استياء ضد من حزنوا وعبروا عن حزنهم لإجلها مواجهينهم بالقول: هم أفضل أم دماء الشهداء! دون أن يدركوا للحظة أن بإمكاننا أن نحزن على الاثنين معاً وأن هذه المقارنة لا علاقة لها بالتفكير السليم.

لكل شيء حسابه، ومرور هذه البلاد بحروب أو ظروف صعبة لا يعني أن الحل هو سحق الحياة فيها، فكل مقاتل هنا يقاتل لاستمرار هذه، وسحقها يعني سحق أهدافه، وإهدار دمه عبثًا.

Top