رسائل من دجلة والفرات

رسائل من دجلة والفرات     2017/10/15 10:45 عدد القراءات: 2346




من الأرض التي تمتد إلينا عبر التاريخ من سبعة آلاف عام لتمثل لنا نموذج الأرض والبشرية كلها بفرحها وحزنها، بجمالها وخرابها وتشوهها، بفالها الحسن وفالها السيء، بأنبيائها وقتلتها، بأساطيرها وأبطالها ومساكنها الفخمة وحاراتها الضيقة، الأرض التي حملت قصة نوح وقصة الطوفان، الأرض التي وهبت السعادة والتعليم، الأرض التي انطوت على أفجع مآسي التاريخ منذ أن تشكلت فيه المجتمعات البشرية ومروراً بقتل الحسين الذي نعيش ذكراه هذه الأيام استمراراً الى يوم الناس هذا، من قتل وخطف، وتهجير وكراهية، وأنهار من الدم يسجل تاريخها دجلة والفرات، حين يمزج كل نهر هذه الدماء بمائه ويسير الى جنب رفيقه النهر يصمت، وهدوء.

دجلة والفرات..

يسيران بروية من أعلى هذه الأرض الى جنوبها، يخلدان ما يحدث، يغذيان من على هذه الأرض بمختلف اتجاهاتهم وأعراقهم، يشهدان على الضحك والبكاء في الشمال، وينظران الى القتل والموت الذريع في الموصل، الانبار، بغداد.. ولا ينسيان النساء المباعات في سوق النخاسة على يد أقذر الله، يحفظان لها كل ابتسامة تمت سرقتها، كل جديلة تم تنكيسها، كل حلم تم اللعب به، وكل حياة تم الاستهتار بها.

يمزجان دم الضحية الموصلية، بدم الشهيد الناصري، أو البصري، أو قلْ: الجنوبي. وربما يضيع عليهما التمييز بين الاثنين، فلون الدم واحد، وحجم الدمعة هو هو، والأطفال الذين يبكون الفقد والضياع يجيدون جميعهم الجلوس في الزاوية، أو الاستيقاظ ليلاً لاحتضان امهاتهم ولا أمهات لهم.

يقطعان المسافة أمام قصور صدام، وأمام قصور أهل السياسة والملك، ولا ينسيان الأكواخ، بيوت التنك وأحياء الفقر والمرض، ديموقراطية الأنهار تجعلها تعطي ذات الحصة من الماء للبرجوازي والمسحوق، إلا حين يعبث البشر بهذه الديموقراطية.

شرف الماء وضميره الحي الذي به يحيا كل شيء يجعله لا يتلون أمام الناس، يظهر بزيه الشفاف أمام الجميع، ولا يخفي ما في قلبه، إلا حين يقرر أهل الأرض تلويثه دون إرادة منه، ولا قوة له لدفعهم، تصالحه مع بني الانسان يجعله مستمر بالعطاء حتى مع رمي الأزبال فيه.. هذا هو الماء، إما أن يعيش بهذه الطريق الواضحة، أو يخفي وجوده ويذهب، فكما إذا يعبّر أهل الفقه: إذا تغير لونه أصبح ماء مضاف، ولم يعد ماء مطلق. ولأجل هذا أطلق بعض العرفاء والمتصوفة قديماً أن: كونوا كالماء.

وبالعودة الى دجلة والفرات، يلتقيان أخيراً في شط العرب، بعد أن يتباعدان في الشمال بين الموصل والأنبار، ويقتربان في بغداد، بغداد التي يقترب فيها السني من الشيعي من المسيحي بعد أن تبعدهما طبيعة المجتمعات والتكتلات في المحافظات الأخرى.

يبتعدان مرة أخرى بنسب متفاوتة في الوسط والجنوب، لتكون البصرة هي نهاية القصة، ونهاية الخلاف، ونهاية القرب والبعد.. وذوبان الفقر والغنى والجوع والتخمة، يتحدان ليعلنا لنا أن دمكم واحد، ومصيركم واحد، ولونكم على اختلاف تركيبه واحد وقاتلكم واحد.

Top