الغسّالة المزعجة.. التطور المزعج

الغسالة المزعجة التطور المزعج     2017/10/05 19:57 عدد القراءات: 2801




تطل علينا بين فترة وأخرى مقارنات بين الجيل السابق والجيل الحالي، يحلو لبعضهم عادةً وقد دب ودرج هذا السلوك حتى عند خطباء على المنبر في أيام محرم هذه، أن الزمان السابق لم تكن فيه هذه التطورات، وأن الشاب أو الفتاة (خاصة الفتاة) كان يقرأ على ضوء القمر، أو الشمعة.. وكانت تخبز في تنور الطين، وتحمل الحطب على ظهرها، وتغسل الملابس على الشاطئ، وأندفع بعضهم ليقول: كانت المرأة تذهب للرعي فترجع ومعها طفلها الذي ولدته لوحدها أثناء الرعي، على أي حال.

صرنا نسمع مؤخراً من "يعيّر" الأم في هذا الزمان بتوفر الغسالة لها، والمخبز الذي يوفر للبيت الارغفة الجاهزة، وكأنه من جرائم الحياة أن تتطور قليلاً هذه الشعوب المسحوقة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.. وكأن الأم لا يحق لها أن تكون أم إذا نظّفت الثياب في "الغسّالة" ولم تحمل الحطب على ظهرها، ولم تستيقظ من فجر الله في كل يوم لمواجهة التنور.

كيف تتم المقارنة؟

تتم المقارنة في هذه الحوارات بأخذ إيجابيات هذا الزمان وقياسها الى سلبيات ذاك الزمان، مثلاً لا يتحدث أصحاب هذا السلوك عن اختلاف التحديات بين ذاك الزمان وهذا الزمان، ولا يلحظون تغير العالم وتغير آليات الدول العظمى في السيطرة وابتلاع الدول الصغرى، لا يعنيهم كل هذا، الذي يعنيهم هو أن الشاب والشابة في هذا الزمان عندهم فيسبوك، ومن أصحاب "التكنيك" على حد تعبير بعضهم. وهذه جريمة لا تغتفر، وهم يذمون هذه الوسائل ينسون عادةً أن لولا هذه الوسائل لما عرفناهم أصلاً، ولما رأينا إطلالتهم البهية وهم ينكّلون بنا وبعوائلنا وبنساء جيلنا.

ربما لو عاش هؤلاء الناس في السبعينات لعابوا على أهل ذلك الجيل ركوبهم السيارة، ومشاهدة التلفاز، والاستماع الى الراديو، ونستمع في الخطب بدل "بنات التكنيك" الى "بنات الراديو" ولو عاشوا قبل هذا الزمان لعابوا على الناس عدم معاناتهم في عام الفيل، حينما هجم ابرهة الحبشي على الكعبة، كما يحلو لهم أن يخبروا دائماً جيل التسعينات ومن بعده بأنهم لم يعيشوا زمن الحصار.

في الحقيقة لكل زمن تحدياته وسلبياته، ولا يمكن قياس تحديات زمن أقصى ما يمكن أن يخطب به الحاكم بخطبته هو منبر لا يجتمع حوله سوى ألف من الناس أو أقل بزمن تذاع فيه هذه الخطبة بالمذياع فيستمع إليها الآلاف ومئات الآلاف، ولا يمكن قياس زمن المذياع يزمن يكتب فيه ترامب تغريدة من سطرين على تويتر ضد شركة فيخفض من أسهمها بالسوق ملايين الدولارات، كما كتب ضد صانعة للطائرات تغريدة على تويتر تسببت بخفض أسهمها بنحو ٤ مليار دولار.

مع تطور الحياة وتقدم الصناعة وابتكار التقنيات الجديدة، تتضاعف التحديات والمصاعب أمام الأجيال، ومع توفر فرص النجاح للجميع يتحول النجاح الى أمر تنافسي ليس له سقف ثابت، لكن هذا لا يعني أن التطور أمر سلبي، بل هو أمر يدفع الى التنافس والتكامل بشكل أفضل وأسرع، فلا يمكن اعتبار مِلاك النجاح قبل خمسين عام، هو مقياس النجاح اليوم، على الرغم من أن لكيلا الجيلين أناس ناجحون، وآخرون فاشلون.

وبدل أن نحزن ونشعر بالحنق لأن الأم لم تعد تستيقظ من الفجر لمواجهة التنور، علينا أن نفرح ونسعد بالحياة التي يأتينا فيها الخبز جاهزاً الى البيت، بألف دينار يومياً، تشتري راحة امك، فما هو المحزن المخيف في هذا الأمر؟!

Top