وجهة نظر الزلازل

وجهة نظر الزلازل     2017/09/24 16:12 عدد القراءات: 2285




ربما من الغريب أن تعرف أن للزلازل تأريخ انعكس على فلاسفة كبار ودفعهم الى يكتبوا عن التبعات الأخلاقية والفكرية التي تثيرها الطبيعة إذا قررت أن تداعب البشر قليلاً.

الذي فتح لنا باب علم الزلازل كان هو الزلزال ذاته الذي دفع فولتير أن يكتب قصيدة عنه قال فيها: إن الإنسان غريب في بحثه ولا يعرف من أين يجيء وإلى أين يذهب.

وهو ذات الزلزال الذي كتب عنه الفيلسوف الألماني الشهير كانت نصوصاً ضمن فيها العبر الأخلاقية والمفاهيم الفلسفية التي انعكست على تفكير الناس بعد هذا الزلزال، إنه زلزال لشبونة في عام ١٧٥٥!

وهو نفسه الزلزال الذي كتب بعده فولتير يوبخ كهنة زمانه قائلاً: أيها الحكماء الحمقى، أي جريمة ارتكبها هؤلاء الأطفال الذين اغتالهم الزلزال وسالت دماؤمهم وهم في أحضان أمهاتهم؟ وهل كانت رذائل لندن أو باريس أقل من رذائل لشبونة؟ ومع ذلك دُمرت لشبونة وباريس ترقص!

ما الذي حدث؟ وما علاقتنا؟

بالنسبة لي أعتقد أن هذه الحادثة إضافة الى كونها كارثة تسببت بالمآسي للكثير من البشر (لذلك كانت قصيدة فولتير بعنوان: مأساة لشبونة) فهي حادثة سَخَرَت وكشفت زيف التفكير الذي يسوقه الكثير من كهنة الدين لزرع الكراهية بين الشعوب والطوائف الدينية المختلفة.

إبتدأت القصة حين ضرب الزلزال مدينة لشبونة أثناء اجتماع الكاثوليك في الكنائس في عيد لهم، تسبب الزلزال بتدمير ٨٥٪ تقريبًا من المدينة بقصورها وكنائسها ومكتباتها والقصر الملكي وقتل من الناس عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والرجال.

على الضفة الأخرى بدأ البروتستانت يروجون لقصة أن الزلزال هو عقوبة إلهية ضربت لشبونة لوجود الكاثوليك فيها، ولانتشار الرذيلة والفسق في هذه المدينة، وتحولت مأساة الناس وقتلاهم وجريان دماء النساء والأطفال والرجال الى محطة للتشفي والتبجح بالمعتقدات الدينية وأحقيتها وبطلان غيرها، وهذه هي رذيلة الانسان الحقيقة، حين يتبجح لينتصر لرأيه حتى على جثث الأطفال القتلى، لكن هذا لم يدم طويلاً.

أما في المغرب، فكان المسلمون يوافقون البروتستانت رأيهم للأسف، وكان الاعتقاد السائد أن هذا غضب الله من أصحاب العقائد الفاسدة، ومحاكم تفتيشهم.. وهذا لم يدم طويلاً أيضاً!

لم يدم طويلاً فبعد أيام ضرب زلزال آخر منطقة البروتستانت المتشفين بالكاثوليك، وضرب زلزال المغرب فأسقط مسجداً على رؤوس المسلمين بحادثة لقوا فيها حتفهم!

لهذا انطلقت صرخة فولتير بوجه الكهنة، الذين اتجهوا الى طمس كل القيم الانسانية والأخلاقية واستبدلوها بعبارات الثأر والرهان ضد الكاثوليك.

يبدو أن الطبيعة لا تجامل أحداً، ويبدو أن وجهة نظرها تختلف عن التفكير المضلل الذي نسوقه للناس، ويبدو أنها لا تعترف بهذه التعصبات المذهبية والحزبية التي أفضت بنا الى أن نشمت بالقتلى، وليس بعيداً عنّا ما يحدث الآن في الولايات المتحدة، من أعاصير راح ضحيتها الكثير من الناس الأبرياء.

لا يفرق الكثير من الناس اليوم بين الحكومات والشعوب، ولا يعلمون أن الله لا يلعب بهذه الطريقة مع البشرية، لذلك يندفعون الى التشفي وإظهار البهجة لما يحدث في الولايات المتحدة، يكتبون: هذا جزاء ما فعلته أمريكا بالعراق وغير العراق! دون أن يسألوا أنفسهم على الأقل: ما ذنب الأطفال الذين لم يرتكبوا شيئاً؟ ما ذنب الأبرياء الذين لا يشاركون الحكومات قرارتها بالعدوان وغيره؟!

الأعاصير والزلازل تسخر منا في كل مرة، لكننا لا نفهم، بل ونستغلها لبث روح الكراهية، نطلق عليها إذا ضربت مدننا بأنها: اختبار إلهي، والمؤمن مبتلى.. ونطلق عليها إذا ضربت غيرنا: هذا عقاب الله!

Top