من الطفولة إلى الطائفية -18

من الطفولة إلى الطائفية 18     2017/09/18 14:07 عدد القراءات: 2398




لسنا نود الحديث عمّا نراه باستمرار حيث يقدم للكبار معنوناً بعنوان: +18. بل هذا المقال لمن هم دون هذا السن القانوني أو قلْ: لأجلهم. ولأنني موقن أن أكثر من سيقرأ هذه السطور هم الأكبر من هذا السن، فإنني أقدم هذه الكلمات للجميع، ولكن المستفيد الأول بعد قراءتك هنا سيكون ابنك، أو أخوك الصغير، أو ربما طفل يصادفك ذات يوم في الشارع.

يخطئ الكثير من الناس حين يعتقدون أن الأطفال لا يفهمون، وهنا أتحدث عن الطفل في سنته الأولى، في السنة الأولى التي ينمو ويتطور فيها الطفل، يحاول التأقلم مع بيئته الخارجية المحيطة، القليل من الناس يفكر في التحضير لهذه البيئة قبل أن يفكر بالإنجاب، لأنه يعتقد أن من الممكن أن ينتج للمجتمع أبناءً صالحين، بمجرد أن يقول لهم: كونوا صالحين.

 

البيئة

بأي حال سيتوارث الأبناء منك الأفعال أكثر مما سيتوارثون الكلام والنصائح، وهنا ندرك أن تربية الأبناء أهم طريق لها هو تربية النفس أولاً، فليس من المنطقي أن تدخن في المنزل ثم تطلب منهم أن لا يقتربوا من التدخين حفاظاً على صحتهم، لأن أول سؤال سيتبادر الى أذهانهم: ولماذا لم تحافظ عليها أنت؟ سيما إذا عرفوا فيما بعد أن التدخين بالمنزل يضر الآخرين القريبين في الغرفة ذاتها بقدر ما يضر المدخن أحياناً، أنت لم تحافظ على صحتك ولا على صحتنا، فما هو المنطقي في أن تطلب منا الحفاظ على صحتنا؟ وهذا مثال لا أكثر، لك أن تقيس عليه بقية ما تنهاهم عنه، من الأفعال، والأقوال.. وطرق التفكير حتى.

الأطفال يفكرون بما نفكر به وبما لا نفكر به أحياناً، الأطفال يتعلمون من الأفعال أكثر مما تعلمهم الأقوال، لذا تجدهم لا يبتعدون عن المدفئة في المنزل بعد مئات النصائح بالابتعاد إلا حين يكتوون بنارها، تجاهل هذه المنطقة في التعامل معهم لا يقدم لنا سوى النتائج السلبية، فتجاهل الحريق لا يمنع من احتراق من المنزل.

من البيت الى المدرسة

حدثنا مرة في الثانوية أحد الأساتذة، قال لسنة كاملة لم نستعمل أسلوب الضرب مع الطلبة، فحصلنا على نسبة رسوب عالية، ولما عدنا بعدها الى العصا، عادت نسبة النجاح الى وضعها الطبيعي بشكل جيد!.. ومن هنا يرى هذا الأستاذ أن "العنف" هو أول وأفضل وسيلة للإصلاح.

يشارك هذا الأستاذ في هذا الرأي الكثير من الآباء والامهات، وحجّتهم هنا أن الأطفال لا يأتون بالكلام، ولا ينصاعون للنصيحة والموعظة، ولا يغادرون سلبياتهم بلا عنف. لأن هؤلاء الأهالي ومعهم ذاك الأستاذ ومن يوافقه الرأي، لا يعلمون عن التربية شيء، وهم يعتقدون أن بديل العنف هو الكلام! يعتقدون أن بديل العنف هو أن تقول لطفلك: كن صالحاً، فإذا لم يكن قالوا: ألم نقل لكم أنهم لا يأتون للطريق القويم الا بالعنف؟

وهنا جوهر الحديث: من قال لكم أن بديل العنف هو الكلام؟ بديل العنف ليس الكلام وحسب، البديل الصحيح هو السلوك، السلوك الأبوي الذي يبدأ مع الطفل من اليوم الأول، ولا ينتهي معه ما بقي وبقيت الحياة، السلوك الذي يدفعك في كل يوم أن تربي نفسك قبل أن تربي طفلك وتلميذك وأكثر مما تربي طفلك وتلميذك، لتجيد التعامل الصحيح الذي ينتج لنا الأجيال التي تحترم نفسها، وتمشي على الطريق الصحيح لا لأنها مجبرة، بل لأنها مختارة وتشعر بالفخر على هذا الصراط.

ولكن.. لأن السلوك التربوي أمر شاق، فنحن نلجأ لأسهل الطرق، الطرق التي نفرغ بها غضبنا (لأننا لم نتربى على لجم هذا الغضب قبل اصدار الأحكام وإنتاج التصرفات) نصنع من الأطفال أدوات لا تستجيب الا للعنف، ثم بعد سنوات نجرّب أن نعاملهم بالكلام، فإن لم يستجيبوا (ومن الطبيعي جداً أن لا يستجيبوا لأنهم لم يتربوا على الكلام) اعتقدنا أن لا بديل للعنف.

 

لا أود أن أطيل الحديث هنا أكثر، لكنني أظن أن ما أود أن أصل إليه قد اتضح بين السطور التي كتبتها أعلاه.. نحن يا سادة، نعلم الأطفال إن كانوا أبناء أو تلاميذ أو من يفترش الأرض في التقاطعات على "العنف" ونعلمهم أن لا بديل لإصلاح أي شيء سوى العنف، ونعلمهم أن السلوك الوحيد الذي تواجه به المخطئ هو العنف.. لننتج فيما بعد الأجيال التي لا تجيد التعامل مع المختلف معها في الفكر أو الثقافة الا بالعنف.

نحن نعلم الصغار أن ما ينبغي في هذه الحياة هو أن يتجول المعلم في أروقة المدرسة مع العصا، ثم نسأل عند الكبر: لماذا يحب هذا الشعب الحاكم الدكتاتور الذي يتغول حياتهم وحقوقهم ويملأ بهم السجون والمقابر، ولماذا يهتفون له؟.. الجواب واضح: لأننا علمناهم أن هذا ما ينبغي أن يكون.. فلا اصلاح الا بالعنف.

نحن نريد من الصغار، إن كانوا أطفالاً أو طلبة، أن يشابهونا في كل شي، في التفكير والقول والفعل.. ثم نعاني فيما بعد من مجتمع تنخره الطائفية كلما علا فيه صوتٌ يطالب بقية الأديان والمذاهب أن يطابقوه في كل شيء وإلا حكم عليهم بالكفر والنار.. لأننا علمناهم أن هذا الذي ينبغي.

Top