يخافون من صوتك، لا صلاتك

يخافون من صوتك لا صلاتك     2017/09/07 11:25 عدد القراءات: 2928




حسين تقريباً:

لم يكن يزعج الطغاة أن ينشغل أهل التدين بالعلوم الدينية من أصول الفقه وأحكام الوضوء والصلاة بل هذا ما يحبون، كان الطغاة ولا زالوا يقربون الى قصورهم وحواشيهم العلماء بغية أن يقتصروا أساساً على هذه الامور، فالحاكم لا يعنيه إن صلى الناس أربع ركعات أو ركعتين أو لم يصلوا أساساَ، الحاكم الطاغي يعنيه: هل يعرف الناس حقوقهم أم لا؟ وهل يطالبون بها أم لا؟ هذا هو المهم.

في فلم قصير حصد الكثير من الجوائز، يظهر الناس وهم يمارسون حياتهم الطبيعية، يأكلون يلعبون يصرخون يركضون، فجأة قام رب المنزل بحفر حفرة في حديقة المنزل، عندها دخلت الدبابات الى الشوارع، وهبطت الطائرات، وحاصرهم الجيش لاعتقال هذا الرجل صاحب الحفرة، هنا ينتهي الفلم.. ومعناه أن لك أن تفعل ما تشاء، لكن إياك أن تحفر! إياك أن تُخرج للناس المدفون الذي لا نريد منهم أن يروه أو يسمعوا به، إياك أن تقول ما ليس لك أن تقوله..

كان الامام الحسين عليه السلام يؤرق طغيان الأمويين ليس لأنه يعلم أصحابه الصلاة، فقد كان الطغاة في عهده يصلون أيضاً، وليس لأنه يجيد الوضوء، ولا لأنه عالم بالفقه والعقيدة، بل لأنه كان يعلّم الناس حقوقهم، لم ينشغل الامام الحسين ولم يشغل الناس معه بالتنسك ويلهيهم عن الحق المضيع المسلوب، ولم يخبرهم يوماً بأن الحاكم (مسلم من جماعتنة) أو لنرضى به طالما أنه يقول: أشهد أن الله إلا الله، فالحسين عالم عارف لا ينخدع بهذا الزيف حين يغطي أكوام القبح والفساد والرذيلة وسلب حق الناس.

يحب الطغاة كثيراً من أهل التدين أن يظهروا لهم أحاديث من قبيل: من أخطأ بكذا حبط عمله سبعين عام، من جاء بكذا حبط عمله أربعين عام، ويحبون ما يقابلها من الأحاديث: من قرأ كذا فله أجر سبعين ألف نبي! لأنهم يحبون كل ما من شأنه أن يُظهر لنا الله على أنه كائن انفعالي، يعاقب على أبسط الأعمال باحباط العمل لسبعين سنة، ويكافئ على أبسطها بأجر سبعين ألف نبي، وبهذا يبرر الحاكم انفعالاته وسجنه وإعدامه لبعض الناس، ورفعه واكرامه لآخرين، بلا أي سبب منطقي.

يحب الطغاة كثيراً أن يعلّم العلماءُ الناس على سلوك: نفذ ولا تناقش. وأن يثقفوهم على عدم السؤال أو الاعتراض، وأحياناً: عدم الاستفهام أيضاً، فالخضوع ثقافة وسلوك، إن رسخها في الناس طغاة الفكر، سيسهلون المهمة حينها لطغاة الحكم!

يحب الطغاة العلماء الذين كذبوا على النبي ونسبوا إليه: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع!

يحب الطغاة هذه الأمة وهي تكذب على نبيها ليستمر الطاغي في طغيانه، ولهم بعد أن يصلّوا، أن يزوروا، أن يلطموا أن يحجّوا أن يقرأوا الفقه والأصول وأحكام النكاح، لكن إياهم أن يفهموا في الصناعة أو الاقتصاد أو الزراعة أو السياسة أو مستقبل البلاد، إياهم أن يقرأوا حقوقهم! أو أن يطالبوا بها، أن يتظاهروا في الساحات، والشوراع..

يحب الطغاة أن يُشغل الناس بالتنسك، والمظاهر، والطقوس، وأن يتم الالهاء برفع الأخطاء الفردية الصغيرة للناس واظهارها للناس على أنها قضايا مصيرية، يحبون الطقوس والمظاهر والاشكاليات البسيطة التي ينشغل بها المجتمع عن حقوقهم الحقيقية.. ففي هذه الأمة التي يؤرقها الحجاب واستماع الغناء لا يؤرقها غياب العدل وانتهاك الحقوق، وهذا ما يحبه الطغاة.. 

ولأن الامام الحسين كان مدركاً لهذه الحقيقة، فهو لم يسمح لهذه الخدعة أن تنطلي عليه، فقطع حجه ولم يتممه في مكة، ليلتحق الى كربلاء، فيعلم الناس درساً هناك: أن طواف الناس حول الكعبة لا ينفعهم، طالما أن حقوقهم وأموالهم ومستقبلهم يطوف به يزيد حول الشهوات.. فلم يُقتل الحسين حين كان طفلاً يعلم مع أخيه الحسن رجلاً أخطاً في الوضوء، ولم يُقتل حين كان يُستفتى فيجيب، لقد قُتل حين صرخ بالناس: هيهات منا الذلة..

Top