الإعدام الأخوي الحميمي

الإعدام الأخوي الحميمي     2017/08/24 18:10 عدد القراءات: 2909




في الأدب هناك قصة عن رجلٍ جاؤوا به الى مقصلة الإعدام، فرقة الاعدام التي كانت تود قطع رأسه قالت له: إن موتك هنا بهذه المقصلة سيقضي على ذنوبك وخطاياك، وسيوفر لعائلتك حظاً أوفراً من الخير والبركة والرحمة الإلهية. كانت فرقة الاعدام على قناعة من هذا القول، والناس الذين تجمهروا وتجمعوا لرؤية اعدام الرجل كانوا على قناعة بهذا القول أيضاً، وكانوا يشجعون الرجل على ان يتقدم الى المقصلة ليموت فينال بهذا الموت غفران الخطايا والبركة لعائلته.

في كل الخطابات الحماسية التي يقدمها القادة للجنود، أنت تقرأ وتسمع حديث الدفاع، الدفاع عن الوطن، الدفاع الدين، الدفاع عن الحقوق، وعن الانسان، تلوك الأطراف المتنازعة كلها حديث الدفاع، دون أن تعلم ما الذي اذن أقام هذه الحرب؟ فحين يعيش الجميع دور المدافع (ظاهراً) فمن هو المهاجم؟

كان يرى الإعلام الحربي لهتلر النازي أن هتلر وجيشه يقوم "بالنضال" ضد الأعداء، نعم الأعداء، بمعنى أنهم لا يعتدون، بل يدافعون، عشرات الملايين من القتلى والجرحى من المدنيين والعسكريين وتخريب للأرض وما عليها في حرب "دفاع" هذه هي وجهة نظر الاعلام الحربي النازي آنذاك.

في ثلاثة قرون فقط اُبيد من سكان أوربا أربعون في المئة، في الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت وهي حروب مباركة، لا بأس أن يذهب نصف السكان الى القبر، المهم أن ننفذ ما يأمر به الكاهن والحاكم ما يصفق له الناس، فهذا شارل التاسع ملك فرنسا حين أصدر في ليلة احدى الأعياد أمراً بقتل "الخوارج" ويعني بهم البروتستانت، قُتل في تلك الليلة ثلاثة آلاف انسان، ثلاثة آلاف في ليلة واحدة ذُبحوا وبُقرت بطون الحوامل واُخرجت الأجنة، ومن قتلهم كان يتقرب بهم الى الله، فمن وجهة نظره أن هذا الذي ينبغي، ثلاثة آلاف من قتلهم ذهب بعدها الى زوجته ولامست يده خدود أطفاله بكل ضمير مرتاح، ولسان حاله: هذا ما يأمر به الرب، ولسنا بمعتدين، هكذا تقول وجهة النظر هذه.

وفي وجهة نظر الولايات المتحدة عام ١٩٤٥ أنه لا بأس أن يُقتل أكثر من مئتي ألف انسان في القنبلتين النوويتين حين اُلقيتا على ناغازاكي وهيروشيما من أجل إخافة الاتحاد السوفيتي والرد على رئيس الوزراء الياباني الذي رفض ان تستلم اليابان بدون أي شروط. أكثر من مئتي ألف انسان، مُحيت معهم حضارتهم ومعالمهم وتاريخهم، لأن وجهة النظر هنا تقتضي هذا الأمر.

حياتنا وحياة كل الشعوب مرهونة بوجهات النظر التي يقدمها القادة والرؤساء والسادة والمشايخ والمنابر، يقال لك أحياناً أن هذه الأرض، هذا الوطن، لا سبيل لأن ينعم بالرخاء إلا حين تموت أنت، أنت وبضعة ملايين آخرين لا قيمة لهم ولا وزن في هذه الأرض هيا يا رجل، اذهب للموت لينعم أهلك بالرخاء بدمك المبارك المقدس، ليست هناك حلولٌ سياسة، ولا أبواب للتفاوض وحل النزاع، دمك فقط هو الذي سيحسم الأمر.

 

يقال لك أن دين الله لن ينتصر الا بالغزو والجهاد، فتأتي الدول لتسلح المجانين فيأتوك باسم الدولة الإسلامية، يستبيحون حياة الناس وأعراضهم ويقتلون في سنجار فقط أكثر من ٣٠٠ ألف انسان، لماذا؟ لنصرة دين الله..هذا ما ينبغي، وليس هناك سبيل للتفاوض والتفاهم.

تستمر هذه الشعوب تمارس التصلب والاحتراق كما يُفعل بالحطب تماماً، وكما يُحرق الحطب في بعض الأحيان لا لشيء، الا لصنع بعض أكواب الشاي التي توضع على الطاولة التي سيجلس عليها القادة والسادة للتفاوض واقتسام المكاسب، وتوزيع فتاتها على ما يتبقى من الشعوب، بغية أن يتكاثروا ليخوضوا بهم حروباً اُخرى في المستقبل يثبتون لإبليس فيها وجهات نظرهم، الطاولة التي كان بإمكانهم الجلوس عليها قبل أن يموت عشرات ومئات وملايين الناس في المحرقة التي أوقدوها لهم.

في تكملة القصة التي ابتدأنا بها الكلام تقدم الرجل واُعدم إعداماً أخوياً حميمياً، مات الرجل وسط هتافات الناس المُشجعة له، مات وسط الناس التي تبكي فرحاً له ولعائلته، وفي الواقع مات الرجل ولم تجنِ عائلته من موته سوى الحزن والفقر والعذاب الأليم لفقدهم ابنهم ومعيلهم! بينما ذهب المشجعون لممارسة حياتهم كأن لم يكن شيء.

Top