خرافة التشبه بالغرب

خرافة التشبه بالغرب     2017/08/17 20:20 عدد القراءات: 4672




 

 

لسنا هنا بمعرض إصدار الفتاوى الفقهية فهي ليست من اختصاصنا كما هو معلوم، غير أننا نود فتح بعض الأبواب حول الكثير من الخطابات الدينية التي تصدر من بعض علماء المسلمين في تحريم الأشياء أو تكريه الناس بها، أو توبيخ المجتمعات على اتيانها بحجة أن هذا من التشبه بالغرب الكافر، أو لنقل من التشبه بالكفار.

يحرم بعض علماء المسلمين بشكل عام لبس ربطة العنق، لأنها بحسب ادّعاهم: من التشبه بالغرب والكفار، ويقول بعض آخر بكراهتها دون تحريمها، وفي الوقت ذاته يهاجم بعض الخطباء عيد الحب في كل عام بدعوى أنها ثقافة مستوردة، وهي من التشبه بالغرب والكفار، ثم ذهب بعض الناس- ولا زالوا – يناقشون كراهة لبس البنطال للرجال من عدمه، لخوفهم من الوقوع في التشبه بلباس الكفار.

في نفس الوقت ليس هناك تحريم او تكريه – إن جاز لنا التعبير – للبذلة الرجالية الرسمية وخاصة معطفها، رغم أن ظهورها كان في القرن التاسع عشر في بريطانيا، ولم تظهر من بلاد المسلمين.

بالعودة الى التاريخ الإسلامي نجد أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان يلبس لباس الكفار! حتى بعد أن استقر الحكم بيده، يحدّثنا التأريخ بأنه "كان يلبس ما يتيسّر من اللباس الذي كان معروفا في قومه، فلا يرد موجودا، ولا يتكلف مفقودا، ولا يتميز بلبسة دون الناس، ولا يقتصر على لبسة واحدة، بل يلبس من أنواع القماش كلها إلا الحرير، ومن أنواع الثياب ما كان ساتراً جميلا منها".

ويتضح لنا من جملة "ما يتيسر من اللباس الذي كان معروفاً في قومه" أنه كان يلبس لباس الكفار، حيث أنه (صلوات الله عليه وعلى آله) بُعث بين الكفار والمشركين.

 

وفي الحاضر، أزاء عيد الحب الذي ينال قسطه من الهجمات الدينية في كل عام بحجة أنه من الثقافة المستوردة، يقف عيد النيروز، الذي ينال قسطه من الاحترام والاحتفال الديني بمباركة نفس الخطباء الذين يرمون الثقافة المستوردة بالاتهام، مع أن عيد النيروز هو عيد مستورد (ثقافة مستوردة غير عربية) وأيضاً عيد النيروز ذو أصول غير اسلامية! حتى أن بعض المرويات الدينية التي تمتدحه، فيها نقاش، ولم يحسم أمرها لدرجة أن استحباب الغسل في عيد النيروز جاء طبقاً لقاعدة التسامح في أدلة السنن، لا أن هناك من الأدلة القاطعة ما تثبت لنا استحباب عيد النيروز المشهور في كل عام.

 بأي حال، نجد أن الحديث عن اللباس من ناحية التشبه بالكفار مباح بعضه ومكروه بعضه، سيما أن بعض العلماء حين اباح المباح هنا، علل رأيه بأن: هذا اللباس أصبح من اللباس المشترك بين الكفار وغيرهم.

وفي حال الحديث عن الثقافة المستوردة، نجد ما هو مستورد ومباح رغم أن أصوله غير إسلامية، وكذلك ما هو مستورد وغير مباح.

في المناسبات المستوردة يعلل بعضهم الهجوم ضدها بما يحدث فيها من ممارسات، رغم أننا نجد الممارسات الخاطئة تحدث حتى في مناسك الحج، والزيارة الشعبانية، والاحتفال بعيد النيروز الآنف الذكر، وهنا يتم الحديث عن تهذيب الممارسات، لا عن الغاء المناسبات.

يعيش العالم اليوم كالقرية الصغيرة، ولم يبق في هذا العالم ما يمكن أن نطلق عليه: لباس الكفار (رغم ان النبي نفسه كان يلبس اللباس المشترك بين الكفار وغيرهم) فاللباس، والأجهزة الالكترونية وغيرها من مقتضيات هذا الزمان، تصدر اليوم في شرق الأرض، وتصل في اليوم التالي الى غربها، والعكس صحيح.

وأما الثقافات الاجتماعية فليس كل مستورد مشبوه مرفوض، كما ليس كل اصيل عندنا مقبول مسلم به. فالثقافات لا تقاس بكونها مستوردة أو لا، بل تقاس بكونها نافعة أو ضارة. فكم من ثقافة غير مستوردة تعتبر وبالاً على المجتمع، وإليك بعض التقاليد العشائرية مثلا، وكذلك اللباس، والحاسوب المحمول، والهاتف الذكي الذي قد تقرأ منه هذا المقال.

وهنا يُطرح السؤال: هل بقي اتهام أن "الأشياء المستوردة تشبهٌ بالغرب" كافية لتحريم الأشياء ومنعها او قبولها؟!

Top