الهوية الإسلامية، نقد لا هجوم!

الهوية الإسلامية نقد لا هجوم     2017/12/02 13:04 عدد القراءات: 989




احمد الشيخ ماجد

في العقود الأخيرة شهد "الدين الإسلامي" أكبر عمليّة تَغْيير وتشويه في ذات الوقت. خصوصاً في الغرب، ومن يُتابع إعلامهم يعرف ماذا أعنيه بهذه الجُملة.

ترافق مع هذا، مدّ إسلامي كبير من السلفيّة والجهادية الإسلامية، أضفى واقعية على المشهد، خصوصاً وان التراث الإسلامي مترع بروايات الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الإسلام بالسيف..الخ.

وقد ركز الفقهاء وأحزاب الإسلام السياسي على مفاهيم العنف والتمدد، والإقصاء، والتي تلهب العواطف والمشاعر الدينيّة، ولهذا أراض خصبة كانت دول تدعمها وتأسست عليها، مثل السعودية في بُعدها الوهابي وإيران في ولاية الفقيه.. ولم تخرج اي قراءة جديدة للإسلام، أو ثورة إصلاحية تنقي هذا التراث، وتفرز الصالح من الطالح، والذي ينسجم مع روح العصر من الذي لا يتلائم معه.

*

وبسبب هذا التركيز والذي يحمل غايات سياسية واضحة، غُيّبت الكثير من ملامح محمد بن عبد الله، والذي هو من أعظم الشخصيّات التي شهدها التأريخ العربي برأيي. سياسة وحنكة وذكاءً.. بقراءة محمّد أفصل الجانب الديني والنبوي عن شخصيته، ولا تنطلق من قراءتك اللادينية أو الليبراليّة، ولا تقس هذا الزمان بذاك الزمن، لأن هذه مآزق فكريَّة عميقة؛ رجل أمي يعيش في صحراء نائية لا يعرفها أحد، صنع حضارة وصلت إلى العالم، وبفترة قياسية وشائكة.. بغض النظر عن الطرق التي أنتشر فيها هذا الدين، لكن ان يُصنَع هكذا تأريخ ومن مدينة حسبما يقول البلاذري فيها سبعة عشر شخصاً يقرأ ويكتب.. أليس هذا ما يدعو للعجب والتأمل؟!

إنتهت إنجازات الحضارة العباسية، وما رافقها من نهضة علمية وكلامية وتعددية مذهبيَّة وفكرية.. وأصبح التأريخ الإسلامي، تأريخ ظلامي، أسود، ليس فيه غير الدماء والقتل، وكأن الحضارات الأخرى انتشرت بالورود.

تتجلَّى في هذا الجانب الكثير من الأزمات الشخصيّة، والنظريات المعاصرة، وتسقط على التأريخ الإسلامي، بعضهم ينظرون لهذا التأريخ من خلال مشهد عاطفي بحت، مثلا فيه اوربي يعامل الكلاب بإنسانية، أو مشاهد التحرّر في أوربا، وهكذا، يغفلون الجوانب السياسيّة والتأريخية والاستعمارية.. الخ.

أحيانا بتأثير الإعلام ترى قراءة واحدة، دون أي تمحيص، أو قراءات نقدية منصفة؛ كما فعل الجابري واركون وطرابيشي وغيرهم من المستشرقين والمفكرين العرب.

*

لم يخرج تنظيم القاعدة من الكتب الجهادية فقط، إنما ساهمت به الأموال الغربية كذلك في عمليّات إسقاط الإتحاد السوفياتي، ولم تخرج داعش وجماعاتها من عمق النصوص الإسلامية، والتي تعززت بأبن تيمية وأبن عبد الوهاب والأحكام الفقهية للأسلاف وقررت إنشاء دولة تمتد من العراق والشام تعتمد في قيامها ذاتياً، وخرجت بكل هذه الإمكانات الهائلة. هذا برأيي هُراء محض، فهناك دعم دولي وتأسيس متعمّد.. أنطلق مفهوم الجهاد من جُدران التأريخ بإرادة دوليّة، وليست إسلامية خالصة، خصوصاً إذا عرفنا علاقة (السعودية الوهابية) كأكبر دولة راديكاليّة متشدّدة بأمريكا، وكيف تدعمها، وتغض النظر عن جرائمها وتطرفها منذ عقود طويلة!

*

في قراءة الدين الإسلامي، وما أنتجه من كوارث في العقود الأخيرة، ينبغي قراءته بعيون نقدية، مع قراءة فشل الدول القوميّة، وتجارب الاستبداد، وما عمل الاستعمار على هذه الأرض، ونعرف ماهي البُنى الاجتماعية لهذا الحراك الدينوسياسي، ومن ثُم حسبما أعتقد، سنخرج بآراء منصفة، بنّاءة، ولا تخلق فجوات بين المُسلمين، وبين النُخب بشكلٍ عام، إن وُجدت!

هذه المقالة، ليست ترقيعية، أو فيها جانب تبريري، إنما دعوة لقراءة هذا التأريخ قراءة جديدة، لا تقديسية، ولا عدوانية، ينبغي مصالحة هذا التأريخ، لأننا شئنا ام أبينا لدينا هويتين نرتبط بهما، عربية وإسلامية، والاثنتان متداخلتان، ومن خلالهما تشكّل العقل العربي _ الإسلامي، ومعه السلوكيات والأخلاق، والنظرة إلى هذه الحياة. ومهاجمة هذا الدين ورموزه على أنه خرافة، لا ينتج ثمارا جيّدة، وسيفرز أزمة في الهُوية، كما أفرزها الإستبداد.

الهوية الإسلامية العربيّة، ينبغي ان يعمل على إصلاحها من داخل المؤسسة، لا إلغائها، واستبدالها بهويات مستوردة، أثبتت فشلها، وعدم وقوفها أمام التحدّيات والمنعطفات التأريخية التي مرّت بهذه المنطقة.. وفي الغرب حتى لو كنّا ملحدين فنحن عرب مسلمون بنظرتهم، هذه هويّة يا جماعة، والعمل على إصلاحها هو المُجدي والمثمر، لا إنكارها ومهاجمتها وخلق صراع إضافي إلى صراعتنا التأريخية المتكرّرة.

أؤمن ان في هذا الدين الإسلامي قنابل مؤقتة، لكنّي لا أعتقد ان هناك أستحالة في ترويض هذا الدين، وتحويله إلى دين معاصر، ينسجم مع التحديث، بوجود دولة ومؤسسات دينيّة تأتمر بأمر الدولة، تتحكَّم بها حسب المصلحة العامّة.. ويُمكن ترويض هذه الهيستيريا الدينيّة العنيفة وامتصاصها، ولا يتعارض ذلك مع البناء والتقدّم والتطوّر، مع تمنياتنا بأن يخرج إصلاح من داخل المؤسسة الدينيّة للكثير من الأدبيات التي كانت أرضية خصبة للإرهاب، والتي شوّهت المفاهيم الدينيّة، فليس هناك ثورة أقدس من الثورة الإصلاحية لإنقاذ الدين وجعله في خدمة الشعوب والتعددية الدينيّة والفكريّة، والمساهمة في بناء الدّول، وليس التحكّم بها، او محاولة تخريبها بنصوص قديمة، كانت لزمن الصحراء، وليس لهذا الزمن الذي تحتل التكنولوجيا المكانة الأولى فيه!

Top