حمى الشعائر

حمى الشعائر     2017/11/07 17:30 عدد القراءات: 1338




وفي لحظة من لحظات "الاعتراف السياسي" قال عزّت الشابندر بما معناه: "ماذا قدمنا كحكومة غير إعطاء الحرية للشيعي ليلطم، ويسير مشياً لكربلاء". والواقع ان هذا الفهم عمل السّياسيين على ترسيخه في أذهان الناس، ليصلوا بهم لقناعة واضحة؛ وهي ان مشكلتهم مع حكومة البعث، كانت كامنة في "اللطم والمشي" وبالتالي؛ سوف ينشغلون بالشعائر التقليديّة، ويهملون كل الأداء السخيف الذي تقدّمه الحكومة. وهذا ما نراه واضحاً في كل محرّم، الإفراط بممارسة الشعائر بشكل يصل إلى الجنون، ومن يتحدّث عنها بسوء، سيكون بعثيا يحارب الحسين.

وقد تسبّب منع الشعائر في زمن البعث بمشاكل كثيرة، أدت الى هذه المبالغة بالشعائر، وإظهارها بشكلٍ مفرط. وحين يشعر الإنسان ان هويّته مهدّدة، سيعمد على تأكيدها وإظهارها بشتى الطرق، لكن بعد ان اتخذت الحكومة صبغة شيعية، لم هذا الاستمرار بالإفراط بتأكيد الشعائر والمبالغة بها؟!

الأحزاب السياسيّة في الحكم، تعمدت المبالغة في دعم الشعائر، وإعطائها أهميّة وطنيّة بحيث تعطّل الحياة بالكامل، وتغض الطرف عن أنها مناسبة طقوسية، شعبيّة، ترتكز على مفاهيم دينيّة تخص مذهب إسلامي معيّن وليس كل المذاهب.. لكن الفصيل السياسي الجديد عمل على إغراق الناس في أداء الشعائر، وبالتالي سيكون الشيعة مخدرين، منشغلين بالسواد واللطم، متباكين على مظلوميتهم من قبل الطرف الآخر ينتخبون كل من يدافع عن هذه المظلومية المتخيلة!

إضافة إلى الاستبداد، وتأريخ الطائفية السياسيّة بتمظهرها القومي، ووجود المحاصصة بشكلها الإسلامي الجديد، فإن هذه المفاهيم التي بالغوا في تأييدها، جاءت مكمّلة للمحاصصة، وساهمت بتأجيج الصراع الطائفي الذي كان قابعا في كتب التطرّف فقط، فتأريخ علماء الشيعة والسنّة في البدايات لم يكن طائفيا في الغالب، لكن الدعم المبالغ به، جاء "بخطباء" لم يعرفوا من الحسين إلا الخلاف المذهبي، وقد دفنوا رؤوسهم في مستنقع التأريخ، محاولين ابتزاز الآخر بإقامة الشعائر وضربه من خلالها، حتى نجم عن ذلك أناشيد ولطميات عدّة، منها : "غصبا عالرضه والمارضه .. نلطم!" وما هذا إلا محاولة لإثبات هويّة مهدّدة!

السّياسيين أيضا، استخدموا الحسين طريقاً لدعاياتهم الانتخابيّة، حتى انني سألت احد الناس لماذا أنتخب فاسدا لم يقدّم شيئاً؟ قال: يخلينه نزور! وقد قرأت في دعاية انتخابية لأحدهم، من ضمن ما عرض به نفسه على الناس: " عندي موكب طبخ ولطم!". والأحزاب السياسيّة برمّتها تعيش في أزمة إنجاز، لهذا، ليس هناك شيء يستقطبون به قلوب الناس غير إغراقهم في مسألة الشعائر، والروحانيات التي تغيّب إرادة الإنسان ووعيه، خصوصاً إذا كان لها منتج ووجود سياسي يعمل على ادامتها وترسيخها في أذهان الناس.

الزيارة والتوجُّه صوب كربلاء أمر طبيعي، ويدخل في إطار الحريات الدينية، وهي حريّة مكفولة ضمن الدستور، والاتجاه الديمقراطي للدولة، لكنّها بحاجة إلى تنظيم، لأن الشكل والمبالغة الحالية تعبّر عن اتجاه شيعي للدولة، وقد يعيد هذا مأساة الخراب والانفجار الاجتماعي الذي أنتجه صدام فيما بعد ٢٠٠٣.

هناك تعطيل شبه تام للحياة، وقطع للطرق، وإغلاق للمدارس، وما هذا إلا استخفاف بالآخر، وبحياته، ومستقبله، وطريقة الحياة التي يريدها.. لم أنا مجبور كعراقي مسيحي او سني ان تتوقّف حياتي بسبب زيارة ليس لي علاقة بها؟! لم أولادي لا يذهبون للمدارس؟! وهكذا ينبغي ان يفكّر المتحكمون بعقلية رجال الدولة، لا رجال المذهب الذي رأينا إفرازاته وتمثلاته في الواقع العراقي الزاخر بالمعاناة والمصائب.

Top