المحرر:

العراق مقطعاً

العراق مقطعا     2017/09/09 12:44 عدد القراءات: 2190




بغداد اليوم: 

الأكراد علقوا صورة المالكي والعبادي، ومعهما صورة للطالباني، كخيارين، أما ان تختار إحداهما او تذهب الى النار، أما ان تختار الانفصال او المالكي يحكمك، ويتعامل معك بذات العقلية التي تعامل معك بها في السابق.. هكذا يتم تضليل الشعوب، وتدمير وعيها، وتهديم أوطانها. يضع المساكين بين خيارين أحلاهما مُر، وهنا لا يتم تفضيل الا الشريك في العرق او الدين او المذهب!

كم هو خبيث من وضع هذه الدعاية.. كم هو حاقد على شيء اسمه العراق.. كم هم حاقدون يا تُرى؟! كان المالكي يخيّر الناس بين عودة البعث وبقاؤه في السلطة، واليوم يخيّر الأكراد بين مسعود وحكم المالكي! أنظر كيف يضحكون علينا منذ 2003 وللآن، كيف تمّت تعبئة الناس طائفيا وعرقيا، وما مصدر هذه الكراهية المنتشرة من الحدود إلى الحدود!

*

أفترض يا أبن العراق، ان كوردستان انفصلت وصارت دولة، بغض النظر عن التحدّيات الحتميّة التي سيواجهها الإنفصال، وموقف تركيا وإيران وسوريا، والاتجاه الدولي بشكلٍ عام.

تستيقظ صباحاً وتجد ان كوردستان قضمت، وتحوّلت إلى دولة منفصلة بذاتها وحكومتها وعلمها، وكأنها لم تكن يوما جزءاً من العراق وحدوده وثقافاته وتنوعه الاجتماعي المميّز. وكأنها لم تُشارك العراق خيراته وأمواله، وان أربيل بُنيت بأموال كل عراقي مسكين، سلّم لحيته لحظيرة الفشل والفساد، وكأن رئيس جمهورية العراق ليس كرديا، وما زال يمتلك قرار في مصير البلاد، وتوجهاتها السياسية والدولية.

أتذكر ان طالباً كرديا ذهب إلى مصر لإكمال الدكتوراه، وقد رفع العلم الكردي وراء ظهره، أنزعج الأستاذة المصريون، وقالوا له : لا نناقش إلا ان ترفع هذا العلم وتضع مكانه علم العراق فنحن لا نعرف علما عراقيا غيره، ولا نعرف دولة غير العراق! تخيل ان يتعامل العالم من جديد مع الأكراد بأنهم ليسوا عراقيين، ولم يبنوا أمجادهم في هذه البلاد.. تخيل ان يكون جارك دولة عنصرية قائمة على العرق والاجتماع العرقي.. فكّر في حجم التحدّيات التي ستهدد بها انت وحدودك وبلادك والمحافظات المحاذية لهذا الجار العرقي لا العراقي!.

تخيل كل هذا، وتعال معي نفكر؛ من نعاتب، ومع من نتحدّث، وهل سنتذكر صدّام وإجرامه وقمعه، ورعونته، وخسارته للأكراد خسارة أبدية، لا رجعة فيها.. هل نتذكر خطابه التافه، وشعاراته الرنانة، وأمجاده البطولية الفارغة التي أفرزت كل هذا الخراب؟! أتركوا صدام فقد هلك، وتحول إلى مزابل التأريخ، هل نعاتب الذين عارضوا صدام ولم يأخذوا الحكمة من سياسته الرعناء، بعدما صاروا بمكانه حكاماً، ومتحكمين في مصير هذه البلاد؟! هل نشتم المالكي والنجيفي، وأصدقاء الكرد، وبائعي أرضنا لهم؟!

بقي المالكي لسنوات، وهو يتحدّث بمنطق الشيخ القافل، إلى ان صار مبرراً للداخل الكردي للحديث بالانفصال، واستنفار الكراهية، واستذكار المشاكل التاريخية، وبقيت معه النخب السياسيّة، قسما يتملق للأكراد ومسعود، وقسما يُقدّم ضدّهم خطاباً شوفينيا عنصريا، وبهذا حصل مسعود وجماعته على أكبر خدمة تاريخية، قدّمتها له النخبة السياسية الغبية المتحكّمة بالعراق بعد 2003.

هل نلوم الأمريكان على هذا المصير الأسود؟ هل نشتم من وضع النظام المحاصصاتي؟ ماذا نفعل، ونحن نرى العراق يتقطع إربا إربا، ونحن نحب كل جزءاً فيه والله، ولا تُقر عيوننا إلا بوحدته والحفاظ على حدوده.. إلى من نولي وجوهنا وقد استحال العمق التاريخي وعظمة العقل العراقي من نخبة سياسية عظيمة قدمت نوري سعيد وقامت ببناء الدولة، إلى نخبة قدمت المالكي والجعفري والنجيفي.. ما هذا المصير بحق السماء؟! هل هي لعنة مبرمة لهذا الشعب المسكين؟.

*

أفترض ان كوردستان تحوّلت إلى دولة، وبعدها المناطق السنية، ومن ثم المناطق الشيعية.. وبهذا يغدو العراق العظيم إلى ثلاث دول متناحرة يعلو خطاب الكراهية فيما بينها ولا يعلى عليه أبدا.. تخيل كل هذا معي، وأبكي على مصير بلادك العظيمة.. أبكي بسبب طبقة سياسية غبية لم تعرف الحفاظ على العراق وحدوده وشعبه وتنوعه، لكنّها تعرف الفساد والحفاظ على المناصب!. حتى في قضية الانفصال المصيرية، تصوّر انهم لم يقدموا عقلا واحداً يتحدّث عن هذه التفصيلة بشيء من السياسة والحلول والمشاكل التي تنتظرنا.. ما يقدّمونه هو رمي الخصوم والدفاع عن الحزب والمذاهب.. هل يوجد مصير أكثر سوادا وهلاكا من هذا؟!

Top