دولة كوردستان

دولة كوردستان     2017/09/02 19:50 عدد القراءات: 1433




يتذكّر العالم المتقدّم أمراض العنصريّة والطائفية كدرس تأريخي مهم، كي لا تعود المأساة التي أنتجها هذا المرض فيما سبق، وبرغم ان هناك ملامح للعنصرية لدى بعض الحركات التي تخرج في أمريكا وأوروبا، لكنّها لا تكون هويّة للتقدّم السياسي حتماً. فأنت الآن لا تجد من يمقت ذوي البشرة السوداء علنا في تلك الدول، لأنه يؤتي لصاحبه الخزي والعار، إنها دُول حلّت مسألة الدولة والمجتمع والهويّة الوطنيّة، وتلاشت معها مشاكل الانقسامات والتمييز.

في بقعة العراق وبعد مئة عام من تأسيس الدولة الحديثة، ما زالت العنصريّة ومعها التمايز العرقي، والأنا الطائفية هي الهوية التي يستقطب السياسي بها جمهوره.. ولأنهم طلاب سُلطة ونفوذ، فهم يركضون وراء أبسط الطرق وأكثرها بشاعة لتدعيم هذه السلطة. نخب سياسية تعيش ما قبل التأريخ، ما قبل الدولة الحديثة، ليس لهم أدنى تفكير في ثقافة المجتمع وكيفيّة تحوّله في المستقبل إذا أستمر تلقي هذه الثقافات العنصرية سواء كانت عِرقية أو طائفية.

*

يخبّئ مسعود برازاني موضوع الإنفصال وراء يده، كلما انحسر الاقتصاد لديه، كلما طالب الأكراد بحريتهم، كلما حدثت أزمة داخليّة، أخرجه من تحت إبطه صارخا بالانفصال وقيام الدولة الكرديّة التأريخية! ليس لدى الديكتاتوريين على مر التجارب الإنسانية سوى خلق الأزمات الوهميّة وتصدير الكراهية، للبقاء على رأس السُلطة والنفوذ.

يجري الحديث في الداخل الكردي عن إجرام العرب ونفاقهم وغدرهم وتنكيلهم بالكرد، وأنهم قَوْم لم يأمن شرّهم أحد، ويتم استدعاء الإجرام البعثي بصوره وأنساقه المريرة، مع استنهاض الغبن التأريخي الذي حدث ما قبل صدّام حسين والجماعات القوميّة، مع غض النظر عن التحوّل العراقي ما بعد 2003 فحتى بعد ان تمتع الكرد بوزارات وأماكن جيّدة في تقاسم السُلطة، وميزانية عظيمة مقارنة بباقي المحافظات، لكنّهم ما زالوا يلوكون ويقضمون بهذا التأريخ الذي مر به كل العراقيّين. وإلا بِرَبِّك أعطني عراقيا لم يتأذى من الشمولية وحكومات السجون والإعدامات؟! هل يستطيع أحد ان يُنكر ما تعرض له الشيعة من قمع وتنكيل وتهجير؟ هل يستطيع أحد إنكار ما رَآه السنّة ومعهم الكثير من الكفاءات العراقية في زمن البعث؟! الفكرة ان صدام ديكتاتور، ولم يسلم منه لا بشر ولا حجر، وليس لقمعه هوية عربيّة او عراقية، أنه مجرم وكفى.. متى يفهم الأكراد ان ليس للإجرام اي هويّة أو عرق أو ثقافة؟!

للأكراد مشتركات كثيرة مع العراقيّين، ولهم حدود واحدة، ومصير مشترك، لكن لا يجد مسعود طريقا للنفوذ والبقاء غير إذكاء الكراهية وتعميق الصراع مع العرب، وفي الوقت الذي يُطالب به بدولة منفصلة مع العراق، يحرق الدنيا في بغداد لأجل منصب وزاري، أو إداري عام.

لم تدرك الحكومة العراقية للآن كيفيّة التعامل مع هذا الرجل الذي يريد تفتيت العراق إلى قطعة قطعة، لماذا؟ لأن ليس هناك عقل سياسي يعرف الحوار والتفاهم، منطق القوّة هو السائد منذ تأسيس الدولة الحديثة، وليس هناك في الوقت الحالي، إرادة عراقيّة على أساس الخصوصية الوطنيّة تتحكَّم بالمشاكل، وتناقش الحلول والأزمات.. ينتظر مسعود أمره من الخارج، وتنتظر الأطراف في بغداد أمرها من الخارج، وبين هذا وذاك، يضيع تأريخ هذه البلاد، وتقضم حدودها وأراضيها التي جمعت العراقيين لآلاف السنين!

Top