المقموعون أبناء المقموعين

المقموعون أبناء المقموعين     2017/11/09 15:50 عدد القراءات: 1294




حسين العطية 

ورث المقموعون اسمهم عن العربية الفصحى. تداوله العرب قديماً ثم استخدمته أمهاتنا، وما بينهما من عشرات البطون. صارت القافُ كافاً فارسية؛ "مگموع"، ونحى الجمع الى "مگاميع" و "مگموعين"، لكن الشخص المقموع ظل كما هو: مسكيناً، سهل الكسر، عرضة للتهميش، وعدائياً في بعض الأحيان.

كإن أهل الخائب هذا قد نسوا كل ما بالعربية من اسماء، واحتفظوا باسمه، أو كإن سلالته لم تنقطع، وإن الاسم لم يغب يوماً في ظل هذا الاستمرار.

في الماضي، ربما كان باستطاعتهم التعرف على المقموع من هيئته. كان يسهل اصطياده في المجالس مثلاً، ليصبح مادة الضحك وموضع السخرية، أما الآن فقد أصبح المقموع شخصاً يرتدي البزة الرسمية كأي موظف في رئاسة الوزراء، قد يكون في رئاسة الوزراء فعلا، وفي البرلمان، ولا يوحي شكله بذلك. لذا يتطلب تحريهم نظرة من نوع آخر.

تتناوب، اليوم، عدة أسباب لصناعة شخص مقموع، هي في الغالب اسباب اجتماعية، حيث يدخل مفحماً للصراخ في الطفولة، هو مفحم العائلة، يتبعه مصهر أكبر يسمى المدرسة، فتزجره المعلمة وهي تتسلح بعصا تحملها حمل الصولجان.

العصا لم تكن تؤذي أكثر من الأسلوب المذل الذي تستخدم من خلاله، عرفت تلاميذ ضربوا بأعواد جاءوا بها بأنفسهم، طلبوها من المعلم ذاك، الى المعلم هذا، دخلت كمادة مضافة الى الإهانات والألقاب الساخرة، والتشكيك بالقدرات العقلية، والوسم بالغباوة، وغيرها.

وفي الشارع، استمر القمع ولم ينتهِ عند حد معين، وفي الوقت الذي يكون فيه القانون هو الرادع المفترض للفرد بأي مكان آخر في العالم، كان القهر هنا في قمعستان –والتعبير لا علاقة له بالسياسة- يكبر مع الكرامة يوماً بعد آخر، ويشيب معها.

يصرخ رجل المرور بوجه المقموع "إطلع" دون سبب، يشخط فيه رجل الشرطة: تحرك. يحدّجه المارون في الشارع بعيون تقلل من شأنه، يستعلي عليه الطبيب والشاعر والمشهور، ثم يصفونه بانه رجل يعيش بكرامة. نعم، مادام يعيش بيننا، في بلده، هو يعيش بكرامة. فهنا، حيث تلصق الكرامة بعلكة في الناس، مرغمة على ذلك، لا شيء يمكنه نزع كرامتك، كما يَرَوْن.

لن يضر كرامتك أن يعاملك الموظف في الدائرة مثل الشحاذ. لن يجرحها أظفر الوسيط وهو يستلم الرشوة منك بعد ان ابتزك، فكرامتك مصونة ما دمت في ارضك. وفِي طبيعة الحال، لن يقهرها أن يُسلب منك حقك في "الحياة الكريمة"، كما تصف لائحة حقوق الانسان نوعاً من الحياة، بالاسم ذاته.

كان خطأ كبيراً أن تواجه حركة الهجرة الاخيرة، التي هربت بموجبها قدرة اجتماعية كبيرة من العراق، بجملة "عِش هنا بكرامتك"، هذي الجملة التي لا ارى اي كرامة فيها، حتى ان كلمة "كرامتك" في نهايتها، لا أراها أيضاً. كانت حجة واهية انبغى أن تكون "سنعيد لك كرامتك المسلوبة، وإبق هنا"، دون زيادة او نقصان.

ولَّد القمع والقهر جيشاً من المقموعين في النهاية، ولد قطعات جرارة منهم في شتى صنوف المهن والحرف والوظائف. مقموعون بملابس رثة، وآخرون أنيقون. زعيق يقابل بزعيق اعلى. صراخ، ولعلعة، وهيمنة، وتسلط، حتى صار الواحد منا يضع إصبعه على كرامته، يخاف ان يرفعه، فتندلق مثل دمعة.

في التلفزيون كان مقدم البرامج المقموع يسأل ضيفه السياسي المقموع هو الآخر، إن كان بإمكانه التخلص من قمع رئيس كتلته له، كانت دائرة متكاملة من اللا كرامة، والامتهان، يسودها تظاهر متقن بالرضا عن النفس. في القناة الأخرى كان المطرب المقموع يزعق منتقماً لنفسه، ويظن أنه يغني، في الثالثة كانت المذيعة تسمع صراخ المخرج بسماعة في أذنها.

بدا الجميع منشغلاً بالظهور بمظهر الشخص الكريم، لكن لا أحد كان يفكر بوضع نهاية لسلالة المقموعين هذه، وكلهم راغب بالخروج من الدائرة بمفرده، ولو أمام الناس فقط.

Top