عن الشِعر البارزاني الحديث!

عن الشعر البارزاني الحديث     2017/06/25 13:40 عدد القراءات: 1543




قيس قاسم العجرش

أذكر جيّداً أن حَظراً للتجوال كان قد أسبغ وجهه القبيح على ذلك اليوم من عام 2009. كنتُ من بينِ بضعة زملاء اضطررنا للمبيت في مقرّ الوسيلة الإعلامية التي نعمل فيها، لأنّ عدداً كبيراً من الزملاء لم يتمكن من الوصول. ويبدو أّنّ رئيس الجمهورية آنذاك هو الآخر لم يغادر مقرّه في الجادرية، بسببٍ من حظر التجوال أيضاً.

وعند العاشرة صباحاً، اتصل بي أحد العاملين في الرئاسة ليبلغني بمأدبة غداءٍ قد أُعدّت خصيصاً لنا، وسينتظرنا عندها الرئيس مام جلال المتفرّغ في ذلك اليوم لمجالستنا. ومثلما تعوّدنا كصحفيين حين نلتقي بالرئيس، لم يكن مُتكلّفاً أبداً، وابتدأ المأدبة باعتذار عن(فقر!)المائدة، لأنّ طبّاخي الرئيس قد أعاقهم حظر التجوال عن إعداد قائمة الأصناف التي يتغزّل بها المَام كلّما حلّ عنده ضيف.

لم يتوقف الرئيس عن شيئين؛ الطعام والحديث. إلّا أنّ عليّ أن أعترف أن كليهما كان لذيذاً ومُمتعاً. وقتها، كان بارزاني قد أدلى للتو بتصريح من تصريحاته المتكررة عن استقلال كردستان، ووشوك تحوّلها الى"دولة".

فألتقط أحد الزملاء طرفاً من الحديث وسأل الرئيس عن رؤيته لولادة دولة جديدة في المنطقة تحت اسم كردستان.

كانت إجابة مام جلال مسترخية تماماً، وقال:"الذين يتحدثون عن استقلال كردستان، حديثهم يشبه الشِعر. في الشِعر بإمكاننا أن نتغزّل بالحبيبة وأن ننسب لها أجمل الصفات وعناوين الجمال. لكن هل هذا يعني بالفعل أن الحبيبة تشبه النص الذي يصفها؟...بالتأكيد لا. فالحديث عن استقلال كردستان أشبه ما يكون بالشِعر".

لم تكن هذه الإجابة خارج التوقّعات، لكنّها كانت محيطة بالواقع. ومُدركة أن كردستان لو قيّض لها أن تُرَسّم كدولة، فلن يكون المانع إلّا مانعاً داخلياً. فحكومة الإقليم تُدرك أنّها ليست حكومة موحّدة، وتدركُ أنّها في حالة نزاع مستمر على الأراضي مع جيرانها الجنوبيين، وتدركُ أنّها حكومة الحزب الواحد وليست حكومة التمثيل المُتعدد، ويدرك الرئيس بارزاني أنّه قد جرى التمديد له، ثم تجاوز أمد التمديد بثلاث سنوات!. ويدرك أنه(كزعيم قبائلي)لا مَزاج كي يرى خليفة له يحمل ذات الصلاحيات التي يحملها الآن. يحملها أو(يتمسّك بها عُنوة)، ربما لا فرق كبير بين المَعنيين. مازالت السليمانية وكرميان بمنئى عن يد البارتي الشمولية. ومن المُستبعد جداً أن تكون تحت هيمنته، سواء أعلن الإستقلال(الشِعري) أم لا.

لم يعُد في حقيبة الحاوي البارزاني أي شيء يقدمه كمفاجأة، وهو يكرر لعبة الدعوة الى الإستفتاء منذ عام 2006 كلّما صار استحقاق استبدال رئاسة الإقليم على الأبواب.

البارزاني(الشاعر)، اتصف بكل ما أتيح للشُعراء من نرجسية. لم يحتمل أن ينعقد البرلمان في أربيل ويكون أعضاؤه مُطلقي اليد واللسان، فأمر الآسايش بمنع البرلمانيين من دخول أربيل-هكذا.

الجديد هو أن لا جديد لدى البارزاني، سوى الشِعر، الذي سيكّلفه كثيراً، وسيضيّع الفُرصة التاريخية في السلام وبناء حكومة الخدمات، بدلاً من حكومة التاريخ والعقائد القومية التي يمارسها كمنهاج يومي منذ زمن بعيد.

الأحلام من جنس الشعر، والواقع أسير للمُمكنات، وهذه قد بدأت تنساب بالفعل وتتبدد من يد (الشاعر) البارزاني.

Top