استجواب، ومغص معوي حاد

استجواب ومغص معوي حاد     2017/11/30 14:14 عدد القراءات: 973




في أحد أفلام الممثل الكبير روبرت دوفال- وكان يلعبُ فيه دَور قاضٍ هَرم- يُردد جملة على مسامع ابنه المُحامي المندفع فيقول: "القانون يحتاج الى حقائق، والحقائق هي ليس ما حدث إنما ما يُمكن إثباته".

الجملة مُعقدة وتبدو للوهلة الأولى ظالمة ربما. لكنّها من الناحية العملية تمثل ضمانة حقيقية كي لا يتورّط القاضي فيما يسمى الحُكم بـ(العِلم الشخصي)، ولهذا أوجد النظام القضائي محاكم التمييز كي تنظر في الوسائل التي استخدمها القاضي من أجل الوصول الى حُكم ما.

أعرف أنه يصعُب صَرفُ النظر عن واقع الفساد أو الإساءة حين النظر في استجوابات مجلس النوّاب للمسؤولين، لكن لو تأملنا فقط وفقط في طريقة الاستجواب؛ أسئلة تُقدّم سلفاً من قبل النائب المستجوب(الفاعل)، الى الوزير المستجوب (الواقع عليه أثر الفعل) قبل أيّام ليهيئ الإجابات، وللنائب المستجوب وحده حق التعقيب.

لكن قلّة اللباقة وشحّة المعرفة بأساليب العّرض، وسَقَم اللغة المستخدمة من قبل السائل والمُجيب تؤدي الى جعل الاستجواب مادّة خارج مُمكنات المتابعة، سواء من قبل مشاهد جالس في بيته، أو من قبل برلماني يحضر الجلسة. والمفروض بهذا البرلماني أن يقرر بعد الاستجواب فيما لو كان المسؤول مقصّراً أم لا.

حين استجوبت حنان الفتلاوي محافظ البنك المركزي العلاّق كان السؤال المركزي بسيطاً للغاية "لماذا تراجعت احتياطيات البنك المركزي من العملة النقدية الأجنبية الى النصف خلال عامين فقط؟".

الجواب الذي(أراد)العلّاق الردّ يمكن اختصاره بسطرين:

"لسنا مسؤولين عن استمرار الانخفاض، إنما الإنفاق الحُكومي المُنفلت هو الذي يضطرّنا الى بيع المزيد من الدولار من الاحتياطي حتى نحافظ على ثبات سعر صرف الدينار. إذا أردتم رفع الاحتياطيات فاسعوا الى تقليل الإنفاق الحكومي".

لكن العَلّاق استهلك 22 دقيقة من الكلام قبل أن يشرع فعلياً في الإدلاء بالجواب. أمّا الجواب نفسه فقد استغرق 20 دقيقة.

ولنتصوّر محاضرة لثلاثة أرباع الساعة يلقيها شخص ليس له تاريخ مصرفي، يشرح فيها آليات عمل البنك المركزي، وآليات ارتفاع الاحتياطي أو انخفاضه، وكذلك معايير ثبات الدينار العراقي. وخلال المحاضرة (غير الشيّقة عمداً) يسوق لنا جمهرة من المصطلحات المربكة أو المنفّرة (عمداً أيضاً) بالحقيقة لقد تحدّث في كل شيء باستثناء النقاط المهمة التالية:

  • القانون لا يُلزم البنك المركزي بالتضحية بالاحتياطيات كي يسدّ إنفاق الحكومة المُنفلت، ولتصنع الحكومة ما تشاء حين تجد نفسها عاجزة عن توفير الأموال من أجل إنفاقها الفاسد.
  • البنك المركزي غير مُلزم ببيع الدولار فقط الى المصارف الأهلية، ويمكن بيعه الى عامة الناس، وهو(يخسر) مليار ونصف المليار سنوياً لأنه ألزم نفسه بهذه المسألة.
  • البنك المركزي غير ملزم بالحفاظ على سعر ثابت لصرف الدينار، وليتعلّم الناس والحكومة تدريجياً أن عملتهم ستفقد من سعرها ما لم يدعمون الاقتصاد بالمزيد من الانتاج.
  • سياسة الاحتفاظ بالنقد الأجنبي سائلاً خارج العراق هي سياسة فاسدة، وضيّعت على العراق فرصة تحقيق أرباح عظيمة عبر "صناديق استثمارية للأجيال".

هذا الاستجواب وغيره، مثالٌ صارخ لتفريغ الرقابة البرلمانية من محتواها. وبالأمس استجوبت نائبة أخرى وزير الاتصالات. وتكررت نفس المشكلة من جانب النائبة التي لا تعرف كيف تختصرـ ولا تعرف كيف تسوق جُملة معبّرة مفهومة للناس، ولا تعرف أن صوت المتحدّث على (نغمة واحدة مستمرة) بلا تأثير صوتي وترديد ارقام الكتب الرسمية وتواريخها سيضيع أي انتباه، ليس من قبل مشاهد جالس في بيته، إنما حتى من قبل حضور الجلسة. هؤلاء سياسيون لا يشبهون السياسة او العمل السياسي، بل جعلوا السياسة في العراق تتقزم وتتشوّه حتى صارت تشبههم وتطابقهم بالفعل.

Top