سياحتنا وحادثة "البَصقة"

سياحتنا وحادثة البصقة     2017/11/05 13:23 عدد القراءات: 2712




يدخل مجموعة من الزائرين الإيرانيين (أفضّل تسميتهم بـ الحجيج) الى دار عائلةٍ عراقيةٍ تقع على الطريق الى مزار مقدّس لدى الشيعة. وتفتح هذه الدار أبوابها لهم، ويبيت بعضهم فيها. في المساء، يطلب أحد الحجيج (وصادف أنه رجلٌ كهل) من ابن صاحب الدار رمز الولوج الى الأنترنيت الخاص بأهل المنزل، ربما كي يتصل بأهله في إيران، فيجيبه ابن صاحب المنزل بأن الأنترنيت متوقف للأسف منذ يومين، فما كان من الرجل الكهل (وهو لا يجيد العربية) إلّا أن يرد على ابن صاحب الدار بـ"بصقة" في وجهه، ظنّاً أنّه يمتنع عن عمد ويتقصد عدم اتاحة الانترنيت للزائرين.

الحادثة كتبها أحد الأصدقاء على صفحته الزرقاء، وبالتأكيد من الممكن أن تكون حادثة غير حقيقية بالمرّة، أو أن تكون قد حدثت بغير مسار روايتها، المُهم أن إيرادها هنا لم يأت على سبيل التحقق منها.

والمهم أيضاً أن نفهم ما سيكون بانتظارنا من "السياحة الدينية" المنشودة وسط هذه الحزمة المظنّات التي ترافقها. بَصقة السائح الإيراني (إن صحّت)، فهي متّسقة تماماً مع الجو العقلي والإيحائي المترافق مع حدث الزيارة نفسه. إننا نتحدث هنا عن وفود مقدّس، وقدوم جرى الإيحاء مراراً على أنّه انتصار لإرادة ما كانت ولاتزال تواجه محاولات المنع. وهذا بالتحديد هو مأزق سقط فيه عوام الشيعة في العراق بتحريض من قياداتهم السياسية الفاسدة بالصوت والصورة.

مازال فعل طقس الزيارة (وهي حادثة متكررة، ومهرجان شعبي واسع ووحيد ولا يحب المنافسة) يعد وكأنه فعل موجّه لجهة معاندة تخفي وجهها بالكاد. ومازال هذا الطقس يخضع الى تموين سياسي-سواء في المقاصد أو في الشكل- من أجل تضمينه رسالة ما.

ويكاد من المستحيل أن نجد زائراً واحداً، وطنياً أم وافداً من الخارج، إلّا وقد حفظ شيئاً من أدبيات تفسير معنى الطقس نفسه، وسوقه وتبريره على أنه "التحاق وتأكيد للسير على منهج وسلوك أبي الأحرار، الحسين بن علي بن ابي طالب".

لهذا، فلكل مُلتحقٍ كرامة، ولكل وافدٍ حظوة، ولكل زائر تقديره المنسجم تماماً مع معنى قدومه عبر مسافات طويلة كي يؤكد هذا الإلتحاق.

هنا، تصبح بَصقة الزائر الإيراني (أكرر: لو صحّت) حدثاً منسجماً تماماً مع ما يظنّه هذا الزائر في وجوب نيله الكرامة والمنزلة فقط لأنه زائر مشارك في طقس مقدس.

والحقيقة، فإن السلوك العام للزائرين الإيرانيين فيه الكثير من النماذج والحالات التي تحاول طرح هذا المفهوم، وأعني به مسألة نيل المرتبة والأسبقية والتبجيل فقط لأنهم تكبدوا عناء السفر الشاق قدوماً لتسجيل أنفسهم في مهرجان تأييد الحُسين الرمز.

من هنا، فإن آمالنا بسياحة "دينية" يمكن أن تصبح مفاعلاً اقتصاديا متجدداً، ومنصّة لتوفير فرص العمل والازدهار الراسخ ليست إلّا آمال عقيمة. وهي ليست أكثر من لغو إعلامي يمكن للمسؤولين المحليين في المدن التي تشهد مناسبات دينية أن يمارسوا الهذر فيها قدر ما يشاءون.

هذه الأسس الفكرية المصاحبة لفكرة الحجيج الزائر لا تبني أي أرضية اقتصادية لأي نشاط. وحتى لو كان هناك نشاط جزئي في النقل والفنادق والمطاعم والخدمات، فإن ما يدفعه المجتمع العراقي (بنظرة اقتصادية شمولية أكثر سعة) سيكون أكثر مما يجنيه جزئياً عبر ازدهار اقتصاد المدن المقدسة.

والأسوأ في هذه التوزيعة غير العادلة للمسؤوليات، إن المنافع الاقتصادية تجنيها في العادة المدن المقدّسة، والمحال التجارية قرب الأضرحة هي الأكثر ربحية، بينما تتكبد البلدات البعيدة تكاليف تقديم الخدمات المجانية للزائرين الماريّن بها طريقاً.

لهذه الأسباب الاقتصادية المبنية على ترتيب ميثولوجي، ونسق طقوسي لا يبدو أنه سيتغير قريباً، تصبح عملية استيفاء رسوم سمة الدخول للزائرين في الحدود العراقية هي الوسيلة الوحيدة لسد هذه الفجوة الاقتصادية.

ليس من مصلحة أحد توسعة الهوّة الاقتصادية التي وقعت فيها مناطق الأرياف العراقية في الجنوب والوسط. وليس من المصلحة (بما في ذلك المصلحة السياسية) أن تستمر عملية تقديس كل ما يتعلّق بفعل طقس المناسبة الدينية. لأن من تلك الأفعال ما يهتك القيم الوطنية عن عمد. وبالتأكيد سيكون متاحاً بكل أفق الحرية أن تجري فعاليات الطقوس بحرّية تامة وبسالم متصالح مع المصلحة الاقتصادية، ففي النهاية تستمر المجتمعات بالبقاء لأنها مجتمعات تعمل وتجني الأرباح، لا لأنها تستقبل الزائرين مجاناً حتى أولئك الذين يبصقون في الوجوه!

Top