القـلم كأداة للرزق

القـلم كأداة للرزق     2017/09/05 13:04 عدد القراءات: 1375




قيس قاسم العجرش

كنتُ أتلقى السؤآل التالي بشكل دائم من محيطي العائلي أو المعارف خارج نطاق العمل الصحفي:"هل /يُسمَح/لك بأن توجّه انتقادات لصاحب الوسيلة الإعلامية التي تكتب لها، أو لحسابها؟".

منذ أربعة عشر عاماً وأنا أواجه هذا السؤآل. لا أخفيكم، كنت في أوقات مبكّرة أنزلق الى جدلٍ طويل حول مفهوم الإنتقاد والحرّية التي يعمل القَلَم في مجالها. لكنّي بعد سنوات صرت أكتفي بابتسامة صغيرة كإجابة غير مُتعبة.

ولا أخفيكم أيضاً، أن مفهوم(الإنتقاد)عند العقلية العامّة العراقية قد يعني حرفياً(الشتم!)، أو(القذف)، وهذه مفردات لها مقابل دلالي قانوني، فضلاً عن مفهومها اللغوي.

لماذا فَهِمَ عامّة العراقيين بأن الحرّية هي أن تشتم؟، وتشتم صاحب الوسيلة الإعلامية التي تنشر بها تحديداً؟. ولماذا يستخدم الناس تعبير(مستقل) كقرينة للنُدرة في عالم الإعلام؟، كَم مرّة سَمِعتُم أحدهم يُنهي رأيه بجملة قاطعة تقول: ماكو إعلام مستقل؟. وكأنه يقول بالتفاتة مُضمرة،(لافائدة!، كلكم راح تروحون للنار!).

من المؤكّد أن هناك حُزمة من الأسباب التي قد تبدأ بميراث الشمولية الثقيل(الذي نحمله أفراداً وجماعات)، وقد لا تنتهي عند النموذج غير المُحترف الذي قدّمه الإعلام العَربي في عَصر الفضائيات الذي أوشك على الانحسار.

لكن هذا لا يغيّر من أصل قواعد الأشياء. لا يغيّر التشويهُ الذي يظنّه معظمُ العراقيين أنّه مُؤصّل في المشهد الإعلامي من قواعدِ المنطق التي تحكم عمل الإعلام في العالم، ولنتذكر في النهاية؛ لَسنا من أوجد الاعلام الحديث، ولسنا من أرسى قواعد ومفاهيم حرّية التعبير في هذا الكون. وإن كان ثمّة خوف على حرّية التعبير حول العالم فالخطر الأعظم يأتي من شعوبنا ومنطقتنا؛ هذا الشرق الأوسط القلق الذي وجدنا أنفسنا بلا إرادة فيه.

نعم، نحن كصحفيين، نمرّ باستمرار بالموقف التالي: رئيس التحرير يرغبُ بأن نركّز كتاباتنا باتجاه فضح القضية الفلانية، أو باتجاه دعم معرفةِ الجمهور لوجهة النظر السياسية الفلانية.

وصحيح أن القلّة من بين الصحفيين من يتيح له الحظ تجاوز هذه التعليمات. والقلّة أيضاً من تتيح له مهاراته الخروج(بوجه أبيض)من هذا المأزق المُحرج. لكن الأمر يتعلّق أيضاً بمحتوى صندوق المهارات السرّي الذي يحتفظ به كل صحفي في عقله المهني. وهناك أمر آخر أيضاً؛ ربما يبدو لَكُم غير معقول لكنّه حقيقي واشهد على عشرات المواقف التي تبرهن عليه. الصحفيون أنفسهم لَهُم أسعارهم ومقاماتهم أيضاً. الصحفي(الغالي!)، لا يجرؤ رئيس تحريره دائماً على تكليفه بمثل هذه المهام. والصحفي(الذي له قدرُه ُومهاراته)لن يضطر إلّا فيما ندر أن يستجيبَ لمثل هذه الطلبات.  يعني، بعبارة أخرى، كلّما تعددت مهارات الصحفي، وارتقى مستوى المحتوى الذي يخرج من تحتِ يديه، كلّما صار احتمال تعرّضه لضغوطٍ هو احتمال أقل في حدوثه.

ولا يغرّنكم المشهد الإعلامي في العراق، فإن نُدرة(الصحفيين)فيه، تشبه نُدرة الماء في الصحراء. لا تغرّنكم الألقاب التي تبدأ بـ(الكاتب والشاعر والإعلامي...)، ففي النهاية ستكتشفون أنه لا كاتب ولا شاعر ولا إعلامي فيه. وفي العادة لا يعرف هؤلاء الصحفيين(وهم يشابهون جمهورهم في هذا)الفرقَ بين وسيلةٍ إعلامية مستقلة، ووسيلة إعلامية(موضوعية).

بل إن الخلط بين مفهومي الإستقلال والموضوعية هو الأمر الأكثر شيوعاً، والأكثر حدوثاً في عمل الصحافة اليومي.

ولئِن وجدنا أكثر الناس على جَهالة في التفريق، فالأولى أن يكون الصحفيون القائمون على هذه الوسائل أكثر جَهالةً من جمهورهم. الصحافة(تصنع) جمهورها ولا تجده بانتظارها أبداً.

كان للراحل الكبير أحمد المهنا رأي في عدد الصحفيين الحاليين(وهم بعشرات الآلاف)، يقول ما معناه:"إن الأمم في العادة لها طاقة إنتاجية محدودة من كل نوع من البشر وفق مِهنهم، يمكن للمجتمع العراقي مثلاً أن ينتج مائة طبيب لكل مليون نسمة مثلاً، أو مائتي محامي لكل مليون نسمة مثلاً، يزيدون أو ينقصون. لكن إذا وجدت مجتماً يدّعي عددٌ كبير من الناس فيه انتمائهم الى نسل شخصٍ بعينه، أو مهنة بعينها، خارج نطاق العدد المعقول، فأعلم أنك أمام مجتمع فيه عدد كبير من النصّابين!".

Top