قيس قاسم العجرش

ولماذا سكتت ئمريكا ؟!

ولماذا سكتت ئمريكا     2017/08/29 10:56 عدد القراءات: 1156




- قيس قاسم العجرش

لسبب لا أعرفه، يظنّ كل سادات الشرق الأوسط أن قطعان الشعوب المتعبّدة إنما قد اصيبت بداء النسيان المزمن. الجميع يرون في الجميع حشداً من النسّائين لا غير.

والولايات المتحدة الأميركية(ئمريكا)ليست استثناءً.

منذ أن ظهرت مُشكلة الإرهاب على وجه السياسة الدولية، وتعددت تعريفاته، كانت الولايات المتحدة ترفع شعاراً يبدو ثابتاً؛ "الولايات المتحدة لا تفاوض الإرهاب".

ولأن هذا الشعار هو شعار سياسي مُحرج، إذ وجدت الولايات المتحدة نفسها في أحايين كثيرة تصفّ مصالحها جنباً الى جنب مع أهداف منظمات إرهابية كثيرة(حركات المجاهدين الأفغان مثلاً)، أو أنها تتعامل مع حلفاء أقوياء رعاة للإرهاب(تركيا الأردوغانية مثلاً)، لذلك أعادت تعريف الشعار بطريقة أكثر(وطنية)؛"إن الولايات المتحدة لا تتفاوض مع قتلة الأميركيين".

لكن، حتى هذا الشعار(الثابت)، كسرته الولايات المتحدة في العراق. وتفاوضت مع(قتلة الجنود الأميركان)، في عملية الافراج عن قيادات شيعية مثلاً.

وقبلها، تفاوضت مع أفراد من تنظيم القاعدة لتكسبهم كأعضاء في الصحوات(قضية الشيخ واثق العبيدي مثالاً)، وهو الآن مواطن أميركي أعيد توطينه على أرض الولايات المتحدة الأميركية السعيدة به، والسعيد بها.

المهم، كلّما وضعت واشنطن(ثابتاً)في سلوكها تجاه(الإرهاب) في العراق، وجدت نفسها تضطر الى اعتباره(متحولاً) قابلاً للتغير.

هنا من المهم أن أستذكر لكم تفصيلة دقيقة ومهمة؛

في ديسمبر 2015، وجد(مارك تونر)، وهو المتحدّث باسم الخارجية الأميركية نفسه محاصراً بطريقة لا يُحسد عليها في مؤتمر صحفي حين سأله الصحفيون عن حقيقة الضربات الروسية التي أحرقت أكثر من 500 شاحنة تهرّب النفط من مناطق يسيطر عليها داعش.

وقتها راوغ تونر من أجل عدم الإعتراف بدقّة هذه الضربات، وأن المنطقة كلها مليئة بآلاف الشاحنات التي تنقل النفط من كل مكان الى كل مكان.

و حين سأله أحد الصحفيين حول ما إذا كانت الصور التي نشرتها وزارة الدفاع الروسية صوراً مفبركة، نفى وقال:"لا بالتأكيد هي صور حقيقية، لكننا لا نعلم هل كانت هذه الصهاريج معدّة لتهريب النفط باتجاه تركيا أم لغرض آخر، وليس لدينا أدلّة كافية تشير الى أن تركيا متورطة بشراء النفط الخام من مناطق داعش".

ثم تحدّث تونر بإسهاب عن عمليات تكرير النفط الخام باستخدام المصافي المتنقلة، وكيف أن هناك باستمرار صهاريج فارغة أو مُحمّلة تتجه الى كل مكان. كما عاد بالتاريخ الى ما قبل سقوط الموصل ليدلل على إن المنطقة بالأصل تشهد عمليات تهريب غير مُسيطر عليها في كل الإتجاهات نتيجة الفوضى وغياب السلطة الحكومية.

لكن لماذا تتجشم الخارجية الأميركية كل هذا العناء من أجل أن تنفي وجود علاقة تنظيمية بين تركيا-أو على الأقل جهات في تركيا- وبين تنظيم الدولة؟. سبب هذا المأزق من الكذب الدبلوماسي الرسمي هو ان الإعتراف بوجود هكذا نشاط، يعني ضمناً اعترافاً أميركياً بصواب الإجراء الروسي بقصف هذه التجمعات التهريبية المُنظمة من قبل تنظيم الدولة. وهو ما يعني اعترافاً ضمنياً بأن روسيا تملأ فراغاً تسبب به غياب الولايات المتحدة الفعلي عن المنطقة. وإن هذا الفراغ هو الذي هيأ الأجواء والظروف الإقليمية لظهور تنظيم (الدولة الإسلامية). وبالتأكيد لم تكن الادارة الاميركية راغبة برؤية نفسها محشورة في زاوية تعيسة مثل هذه.

لو قبِل(تونر)بحقيقة أن الروس يستهدفون بالفعل عمليات تهريب داعش للنفط، فعليه أن يواجه السؤآل الذي يتلوه منطقياً وهو: لماذا سبقكم الروس الى قصف أهداف كان من الأولى أن تعالجها الطائرات الأميركية؟.

في الحقيقة إنها عملية مركّبة من الفراغ الذي تتسبب به قوّة عظمى في منطقة لم تكن تجرؤ في قبالتها أي قوّة عظمى أخرى على أن تبسط هيمنتها فيها. الآن تغير الحال تماماً، وما عادت الولايات المتحدة تستطيع أن تمنع الآخرين من التدخل، ببساطة لأنها امتنعت لمدّة كافية عن التدخل، ووقفت كل القوى الإقليمية تنتظر وتخمن بأن لدى واشنطن خطّة أخرى للتدخل، لكن لم يكن هناك أي خطط.

اليوم أيضاً تتفرج الولايات المتحدة على التفاوض الإقليمي مع داعش وإن كان محدوداً، لأنها لا تمتلك أي خطة للتعامل مع الوجود الحقيقي للتنظيم الارهابي في وسط يوفر له ملاذاً طبيعياً.

داعش تنظيم موجود أينما كان وجوده(طبيعياً)، هذه هي العقدة.

Top