قيس قاسم العجرش

الخَمر والسياسة والكُفر وأشياء أخرى

الخمر والسياسة والكفر وأشياء     2017/08/09 19:49 عدد القراءات: 1653




قيس قاسم العجرش

عملياً، لا يَعرف العامّةّ من الناس في العراق عن المرجعية الدينية إلّا بعض أحاديث المقاهي التي تنقل آراءهم في أشدّ المواطن الجدلية حاجةً للتفصيل. ولأنّ المقاهي لا تفصيل فيها، فكلّ ما وصل لم يكن سوى آراء مُرسلة على شكل جُمل من ثلاث أو أربع كلمات.

أمّا فِقه(المعاملات)وشقيقه فِقه(العبادات)، فقد احتوتهما الرسالة العملية لكلّ مَرجع. وفي العادة لا يلجأ إليها الناس عَياناً، وإنما يلجأون الى سؤآل بعضِهم البَعض عن التفاصيل، وفي العموم سنجدها متوفرة في نسبة لا بأس بها من منازل العوائل الشيعية الى جانب(جامع السعادات)، و(مفاتيح الجنان)، وغيرها من كتب التراث الشيعي القادمة من الماضي.

أما المُخالفة؛(وأعني ما يُخالف فيه المَرجع سابقيه من المراجع) فهذه قد تُذكر كنوادرٍ في أحاديث بعض الخَواص، أو في بعض المجالس ذات الطابع النخبوي في المجتمع الشيعي، وبالتالي فهي غائبة، عن جهلٍ أو عن إهمال أو عن فقدان للأهمية، من أحاديث العموم.

ومع هذا، فإن ما يصل الى ألسُن الناس لا يتعدّى ما سبق أن بيّنته؛ جُملٌ من ثلاث كلماتٍ أو أربع على أبعد تقدير. ينقلها الناس بتواتر لا ينفع معه أي تشكيك، وعن السيد محسن الحكيم مثلاً ينقلون وصفه الشيوعية بأنها"كفرٌ و إلحاد". وبالتأكيد أشكك في المعنى الذي يعرفه الناس عن الفرق اللغوي بين (الكُفر)من جهة، وبين(الإلحاد)من جهة أخرى. ومع هذا، فقد درج الشتّامون أن يَصموا الشيوعية بهذه الجُملة، ويتصوّرون أنهم يُسكتون الآخر بها وينسفون وجوده المعنوي وصورته بين الناس عبر كلمة تقال مثل قذيفة مدفع.

ورغم أنّ المجتمع الشيعي في العراق عاش(إلّا أنه لم يُفلح في التعايش) مع الوصم العربي السنّي له بالميول الإيرانية، أو الوخز والطعن في الأصول(وهي من الكبائر لدى العرب)، إلّا أن ذات المُجتمع الشيعي لم يتورّع، ولم يقِف ليسأل نفسه، هل أن الأمر بهذه السهولة أن تلصق تهمتين كلتاهما تؤديان الى إيقاع وتبرير حَدّ القتل بقطّاع كبير من المزاج السياسي العراقي وقتها.

ولم يقف الناس للحظة زمن  كي يعرفوا أن هذا النوع من(التكفير) سيكون سابقة، ربما تدور عليهم في قادم الأيام. بل إنهم ضحاياها منذ أن شذّ التشيع العربي العراقي عن التجانس مع  العروبية المُتسننة.

المُستنكر هنا، بعيداً عن فتوى الحكيم التي كان لها وقتها، أن الرَّمي بالكفر والإلحاد، كان هو الملعب الأساس الذي تهرول فيه، وتتمرن فيه، كل قوى الاسلام السياسي العراقي حين تعترضها مشاحنة مع قوى (مُختلفة) عنها.

بالحقيقة لم يقدم الاسلام السياسي العراقي أي أطروحة(في مجال استحقاقات الحياة المدنية تحديداً) غير تكرار التميمة المستهلكة(لكنها تميمة مازالت تعمل) بإعادة القول: إن الشيوعية كفر وإلحاد.

قدم الاسلام السياسي نموذجاً كارثياً حين صار أمامه استحقاق قيادة المُجتمع أو صنع القرار فيه. فمظاهرهُ الطقوسية كانت(على المستوى الوطني) عامل هدم مُمعن في الفرقة والتركيز عليها، وأداءه التمظهري لم يخرج عن وسيلته التقليدية المباشرة في عصر تسارعت فيه التكنولوجيا وصارت تتغير بالأيام. واكتشف أن خطابه الطوباوي الإيثاري عن التأسّي بحقبة المسلمين الأوائل(الرموز الشيعية تحديداً) لم يعد يفي حقّ ما يحدث. فصار الى أن يسأل الأتباع القبول بالموت، وأن الدنيا دار فناء، وأن العاقبة للمتقين الذين يذوقون الموت كأشلاء* في تفجيرات تكفيرية.

*(هذه الأشلاء قبل أن تصبح أشلاء كانت تعيش على هيئة انسان مسحوق بالفقر والمرض والجهل لكنها تنعم بحرية ممارسة الطقوس التي رأت فيها الاحزاب الاسلامية  الشيعية وسيلة لشد خيط المسبحة نحوها كلّما ارتخى).

في الحقيقة لقد نجحوا أيّما نجاح في إيهام الناس بأن(الآخر العدو)إنما يطلب(دينكم القابضين عليه مثل القابض على جمرة)، وهذا هو الوَهم العظيم.

أسميه وهماً لأن التكفير(السُنّي المنشأ، البعثي الإدارة) كان على الدوام واجهة قبيحة لحراك سياسي خفي تلعب فيه الدول أدوارها. ولولا هذه الدول الداعمة لما وجدنا بعثياً واحداً يتحمّس لفكرة العودة.  فالإرهاب لم يشتعل لأن هناك سكان شيعة في العراق، إنما لأن في العراق سكان شيعة أتوا بقيادات شيعية ستحطّم الوجود العراقي أو اوشكت على تحقيق ذلك. والإرهاب لا يريد أن يفوّت فرصة التواجد حين يجري اقتسام ذلك الحُطام.

والذي حصل أن أحزاب الاسلام السياسي زرعت اليأس بكثافة عند العراقيين والأميركيين على حد سواء؛ اليأس من قيام دولة عصرية(معقولة). ووقفت واشنطن حائرة لا تعلم ماذا عليها أن تصنع.

فالشيعة(الذين أنقذتهم من الجلّاد) يلعنوها آناء الليل وأطراف النهار، فقط لأن إيران لديها ملفات عالقة معها. والسُنّة خرّبوا الأرض وما فوقها وما تحتها، فقط لأن إيران والولايات المتحدة لم تنجح في استرضائهم.

وبعد ثلاثة عشر عاماً من الحُكم الحقيقي لأحزاب الاسلام السياسي، نجد أن ليس لديهم في جعبتهم ما يقدّمونه للمختلف سوى شتيمة(كلاسيكية جداً)، أنك مُلحد، وكافر، وتشرب العَرَق. العَرَق الذي تتقاضى الحكومة الضريبة عنه، بينما تتقاضى عصابات الجريمة الحزبية المسلحة(خاوة) من بائعيه ومصنّعيه.

آخ ...يالعراق!.

Top