أنا خائف

أنا خائف     2017/07/28 16:00 عدد القراءات: 10432




علي وجيه

ومنذُ فترةٍ طويلة، لم أسمع أحداً يقول "أنا خائف"، حتى لكأننا غادرنا الطبع البشريّ، فلا أحد يخاف، والكلّ غاضبٌ، ليس منهم مَن خرج من "فطر الحائط"، وكلّهم مستعدّون لحرق كلّ شيء إن مُسّ طرفٌ منهم، الكلّ غاضبٌ، مستعدٌ لمغادرة كلّ ما له صلة بالطبع البشريّ، ليستخدم يديه، ولسانه، وقدميه، في حربٍ شخصيّة، أو قبليّة، أو جماعيّة!

لا أحد يخاف، وهذا ما يُخيفني، شعورُ الخوف لوحده هو ما يُشعرُ الإنسان بآدميّته، بانفصاله عن الحيوان الذي لا يخاف، خوفه جعله يلجأ للكهف، خوفه من النسيأن ألجأَهُ للرسم بالفحم على الجدار، خوفه من فقدان الثمرة جعله يخزنها.

لا أحد يخاف في العراق، إن خفتَ فسيضحكون عليك، "هل أنتَ امرأة؟"، تجيب "لستُ امرأة، أنا إنسانٌ خائف فقط، ولا علاقة لهذا بالذكورة والإنوثة!".

أمس، وأثناء انتظار في الازدحام، كانت سيّارتي محاطة بالسيارات من جميع النواحي، بحكم الوقوف، وبلحظةٍ واحدة، كانت هناك 6 مسدّسات، وما يقارب الثلاثين رجلاً، بدشاديش ووجوه غاضبة، يتعاركون لسانياً وبصوتٍ غاضب.

كان هناك مسدّسان، واحدٌ عن يميني، وآخر عن يساري، وأنا بين مُتخاصميْن غاضبيْن، ولم أطمئن، حتى جاء عنصرٌ أمنيّ، لكنه ضاعفَ خوفي، كان أحد ذوي الدشداشة رغم زيّه الرسميّ، كان غير خائف، واصبعه على زناد الكلاشنكوف، محاولاً فضّ النزاع المُسلّح.

لم تُطلق رصاصةٌ واحدة، أمس، لكن خوفي كان خوفَ شخصٍ تعرّض لمئات الرصاصات، حتى مات، بوجه أزرق، خالٍ من الدم!

أخافُ من كلّ قطعة سلاح، لم أطلق رصاصةً بحياتي، أخاف حتى من برودة معدن المسدّس، وفوهته المظلمة، لم أمسك سلاحاً، ولم يستهوِني حتى السلاح اللعبة في الطفولة، عدا مسدّس الماء، فقط!

أخافُ من الذين يتفاخرون بعدم خوفهم، أرى شباباً بعمري، وهم يتفاخرون بأنهم فُطموا على البارود، وهلهلت البنادقُ بولادتهم، ولا يريدون أن يموتوا إلاّ بحرب، أعلمُ أنها حربٌ عادلة، لكن المفترض أن هؤلاء الشباب، وأنا منهم، يجب أن يخافوا من الرصاص، مثلهم مثل أيّ مواطن أوروبي، ربما يتبوّل على نفسه إن سمع صوت الرصاص، لا شباب يفرّقون بين أصوات الأسلحة، ويعرفون تماماً فرق صوت البي كي سي عن الكلاشنكوف عن المسدّس!

خوف الرصاص والسلاح، يقابلُهُ لديّ خوفٌ من الدم، لم أرَ جثّةً في حياتي، عياناً، إلاّ مرةً واحدة وأشحتُ بوجهي سريعاً، أعلم أن هذه الجثّة ستستقرّ بذاكرتي وتحطّم ما تبقّى من تفكيري، وقد تعجبون أنني لا أرى أكثر من 90 بالمئة من المحتوى الدامي الذي نُحاط به في فيسبوك، والتلفزيون، هل قلتُ لكم إنني لا أجرؤ على مشاهدة أيّ فيديو فيه عملية قتل؟ حتى إن كان إعداماً سريعاً بالرصاص؟!

مرةً، ضحك عليّ نصفُ أصدقائي في فيسبوك، لأنني هددتُ بحظر مَن ينشر محتوىً دامياً، قالوا عني "كيوت"، ومن جماعة "ماما غطّيني"، كلا التهمتين كانت أجمل بالنسبة لي من "ابن الماو والتفكَة"، ما زلتُ أكره الدم، حتى إن كان دماً ينزفه أنفي في الظهر العراقيّ الحار.

أخاف من كلّ شيء، وخوفي هو الوحيد الذي يصلُني بإنسانيّتي، وحتى حين أدخلُ بعض المعارك، أو أهاجم بعض الخطوط الحمراء، لا أهاجمها إلاّ من شعوري بخوفي، لا بشجاعتي، أخافُ من العِقال والعمامة والشروال، أخاف من كلّ ضبّاط المطارات، والمرور، والسيطرات، أخاف من كلّ السادة النوّاب الذين أشرشحهم بصفحتي، أخاف من بروفايلات الفيسبوك الوهمية التي تخفي وراءها كثيراً من القتلة، أخافُ من كلّ شيء، وروحي قلقةٌ من كلّ شيء، لا خوفاً على حياةٍ ما، وإنما خوفاً على تلك الحياة من التلوّث بالقلق!

لديّ 3 أصدقاء، أحدهم سعوديّ، أكبر منّي بـ 8 سنوات، بالمقارنة بين شكلي وشكله، أبدو أكبر منه بعقد، وكذا الحال مع صديقٍ كويتيّ، وإماراتي، فضلاً عن أصدقاء آخرين، في كل مرة يعجبون لصغر عمري بينهم، وشكلي الذي يبدو أكبر منهم، قلتُ لهم بوضوح: هذا سببُ العيش مع الخوف، الأكل مع الخوف، النوم مع الخوف، أن تفعل كلّ شيء وهناك مسدّسٌ وراء ظهرك، أو سيّارة تحيلكَ نثاراً لا قيمة له.

الأصدقاء جميعاً هؤلاء، لم يسمعوا صوت رصاص بحياتهم، إلاّ بالأفلام، بينما أسمعه يومياً، من شبّاك منزلي، بين الساعتين 11:00 مساءً و12:00 مساءً، بين قبيلتين تتشاجران، وتبعدان عن منزلي 3 شوارع فحسب.

أذكرُ تماماً، ما قاله رامبو في (فصلٌ في الجحيم)، وأستعيده، وألوكه، وأتمثّل به، في كلّ يومٍ أشعر به بخوفي "أما الآن، اللعنةُ عليّ، صرتُ أفزعُ من الوطن".

Top