الذين لا يكفّون عن صناعة الأمل

الذين لا يكفون عن صناعة الأمل     2017/07/18 14:34 عدد القراءات: 7149




 معضلتنا الأساسية مع العراق، هو أن فيه مواطنين لا يكفّون عن صناعة الأمل، فلو أنَّ الخراب كاملٌ لصارَ الأمرُ بسيطاً، لغادرنا العراق، وشطبناه من ذاكرتنا، وحوّلنا وجوهنا لأوطانٍ جديدة، لا يُظلم فيها أحد، لكننا، كلما وصلنا إلى التشاؤم التام، خرج مواطنون من كلّ أماكنهم، ليصنعوا الأمل، والصواب.

أفرشُ خارطة العراق أمامي، وأراهم يشعّون عليها، في درجات حرارة تتعدّى الـ 50 درجة مئوية، يصرّ الأكاديميّ والروائيّ لؤي حمزة عباس على إعطاء محاضراتٍ في السيناريو لمَن يرغب، بينما يقفُ فارس الكامل، صاحب مكتبة المعقدين، للإجابة على أسئلة القرّاء في مول البصرة تايم سكوير، ويصوّر أحمد محمود الجهات المضيئة من البصرة، فهي مدينته، وهناك مجموعة من أطباء الأسنان الذين يعالجون، ويفحصون، أسنان المواطنين مجّاناً، هذا غير مئات آخرين، بينهم مَن يتظاهر، وبينهم مَن يُصرّ على مدنيّة البصرة، أمّ المدن وروحها.

في الديوانية مثلاً، هناك شبابٌ مضيئون، لديهم حملة #مالات_الله، يجمعون الأغذية والملابس والمساعدات، لتُوزّع على أُسر شهداء الجيش والحشد الشعبي، وحين ينتهون من المساعدات، يتظاهرون أيضاً، ضدّ فاسدي محافظاتهم، رغم أطنان الدعاوى القضائية ضدّهم، والتلويح بـ"الكَوامات العشائرية"، ثائر الطيّب، محمّد الشمري، وآخرون أزعلُ أنا من نفسي لأنني لا أذكرُ أسماءهم جميعاً.

في ذي قار، لا يختلفُ الأمرُ أبداً، بل تتسع صناعة الأمل، على كل الأقضية، فضلاً عن مركز المدينة، إشعاع ثقافيّ واضح في الشطرة، يقوده ليث سهر وحازم هاشم، وحولهم شبابٌ من ذهب، أشباههم في الناصرية، يقيمون الجلسات، والفعّاليات الثقافية، ومثلهم في المركز، في الناصريّة.

كذا الحال في النجف، حيث يقف فارس حرّام بشعره الرماديّ، حاملاً كتابه بيد، والعلم العراقيّ بيد، يتظاهر ضد الفاسدين، بعد سنوات كان النقابيّ الأهم في العراق خلالها بإدارة اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في المحافظة. وغير بعيدين عنه شباب موجة، ومؤسسات أخرى تقفُ من الخراب موقفاً صلباً، وتساهم بتلوين المدينة.

كربلاء وبابل، فيهم مَن هم أكثر من التعداد، حيدر البدريّ وأصدقاؤه، بمشاريع إعلاميّة فرديّة، تشكيليّون شباب أفذاذ، ميليشيا الثقافة بكلّ جنونهم وصناعة خطابٍ ثقافيّ شعريّ جديد.

وفي بغداد، وهو ليس تحيّزاً بقدر ما هو اطّلاعٌ أكثر على التفاصيل، يكفي هشام الذهبي، ومنظمة غوث، لتبتسم، يكفي أن ترى الشباب الذين يصنعون أفلامهم السينمائية بلا أي ميزانية، وشعراء ينشرون ويقرأون الشعر، وإعلاميي شارع ومدوّنين، تطوّعوا لصدّ كلّ شيء سلبيّ، وهم أيضاً يتظاهرون، وينظّفون المدارس، ويبنون منازلَ للفقراء.

هل أذكر ميسم الواعظ مثلاً، وهي لا تمنحُ مساعداتٍ مالية للأسر المحتاجة، وإنما تمنحهم ما يجعل لديهم سبيل للعيش؟ ستّوتة، أو محلّ صغير، ومرّةً سيارة تاكسي؟!

هل أذكر متطوّعي المعرفة، في شارع المتنبي؟ أم أذكر علي الطوكي وحامد السيّد وهما يأخذان البغداديين للموصل، في حملة تقارب، ويستعدّان لاستقبال الموصليين في بغداد، قبل توجههم للنجف، لزيارة قبور الشهداء الكرام؟

هل أذكر شباب الموصل، الذين استمرّوا لسنوات ثلاث في مقارعة داعش إعلاميّاً، وفي مساعدة النازحين؟ أم الشباب الأكارم في صلاح الدين، ديالى، الأنبار، وهم يحاولون ترميم ما تهشّم من صورة العراق الواحد؟

أعلم تماماً أن هناك بحجمهم، وربّما أكثر منهم، شباب طائفيّ، تعميه الكراهية، ويصفّق للدم، لكنّ الذين لا يكفّون عن صناعة الأمل، كفيلون بإخراسهم، ومهما ازداد هطول الدم، ستأتي لحظة عراقيّة تقول: كفّوا عن ذلك!

هذه كلمات مُجتزأة، وصغيرة، وحديثي عن الآلاف، ذكرتُ نماذج منها فحسب، كلّ من أتى العراق بقلبٍ سليم يُساهم بإزالة شيء من السواد، وكلّما أوشكتُ على التشاؤم التام، ظهرت لي وجوهكم، تمنحونني الأمل، وتزيحون اليأس.

Top