حوارٌ أحادي مع طفلي جبرا

حوار أحادي مع طفلي جبرا     2017/07/03 14:34 عدد القراءات: 10444




لديّ طفلٌ صغير، اسمه "جبرا"، يبلغ من العمر 11 شهراً، وكأيّ آخر عنقود، يتعلّق قلبي به بشكلٍ لا يختلفُ عن تعلّقي بأخوته، لكن عجمة لسانه، و"مناغاته" لي، تجعله عين القلادة، وكما يقول العرب "أقربُهم لي أصغرُهم حتى يكبر".

لجبرا كاروكٌ في غرفة نومي، وهو يحبّ أن يكون المكانُ بارداً، فهو يتعرّق حتى إن كانت الغرفة باردة، وأمس فقط، كانت أصعب ليلة بـ 11 شهراً من عمره، بسبب الكهرباء.

يوم أمس، كانت نهائيات كأس العالم في العذاب بين صاحب المولدة الأهلية، و"الكهرباء الوطنية" التي ليست فيها ذرّة وطنية، والسيناريو كالتالي: تنطفئُ الكهرباء الرئيسية، عشرة دقائق، حتى يقتنع مشغّل المولد أن لا وطنية في العراق، كي يشغّل، وفي هذه الأثناء تعود الوطنية، لتنطفئ، وبين الـ 12 ليلاً، موعد نوم جبرا، وبين السادسة صباحاً، انطفأ التيّار (ليس الصدري، حاشاه) أكثر من 40 مرّة.

كنتُ أشاهدُ ولدي وهو يلبطُ أمامي مثل سمكة "مزوهرة"، متعرقاً، لم ينفع "التهفّي" معه، كان يبكي بكاءه غير الاعتيادي، بكاء المختنق والغاضب، من هذا الوضع الذي لا يفهمه، فكيف أفهمه أن صدام حسين سقط عام 2003؟ وكيف أفهمه أن الجماهير استقبلت السيد محمّد باقر الحكيم بـ"وينه الحاربك وينه"؟ وكيف أفهمه أن مجلس الحكم المكوّن من اللندنيين والقمّيين جاء لبناء عملية سياسية؟ وكيف أفهمه أن هناك "تحالفاً وطنياً" يمثل الشيعة؟ وأن هناك طبقة سنّية معارضة حطّمت محافظاتها ومجتمعها، كيف أفهمه أن اول رئيس وزراء بعد 2003 يقول "لا أدري" أكثر من أي مخلوق بشريّ آخر؟ وكيف أفهمه أن مَن تبعه هو "تريلة" كلام غير مفهوم ولا قيمة له، وهو الجعفري؟ وكيف أفهمه بضرورة أنه ولد ولم يشهد ولايتيْ السيد المالكي، اللتين أحالتا العراق إلى حُطام؟

كيف أفهمه أن هناك حرباً اهلية امتدّت لثلاثة أعوام، وأن هناك مفخخات لا حصر لها، وأن أكثر من 300 مواطن تفحّم بالكرادة، وأن 1700 قُتلوا في سبايكر، والناس كلها تصيح "نحن منتصرون"؟ كيف أفهمه ضرورة "حاكميّة الشيعة"، و"السلطة السنية"، و"أسود الجبل"، وكيف أتحدث له عن المناطق المتنازع عليها؟ وعن مليارات تكفي لبناء كرة أرضية صغيرة، أطاح بها إسلاميّون شيعة وسنّة؟

كيف أفهمه، وهو الغاضب من الحر، أن بالإمكان اتهامه بأنه "صرخي ويماني" إن قال "أشعر بالحر ولا كهرباء لديّ"، وأن هناك شاباً وسيما لقي حتفه في البصرة فقط لأنه تظاهر في زمن المحافظ ماجد النصراوي (قُدس سره وتباركت أسماؤه ومعانيه)، كيف أفهمه أن مجتمعنا فيه المرجعيات العظيمة: رشيدة، وصامتة، وناطقة، وشريفة، وأن هناك محور ممانعة ومقاومة عملاق، وأن هناك الآلاف يقاتلون من أجل أخطاء طبقة صغيرة، وأن هناك شيوخاً أقسموا بحلق شواربهم المقدسة أن الجيش لن يصل للأنبار، وأن هناك معارضين في عمان، مشاريعهم عروبية، يسمّون داعش "ثوّار العشائر".

كيف أشرح له ما يدور في العراق، حيث الكلّ رأس، والكل يحمي عرضنا، والكل يمنّ علينا بما يفعله أخوتنا المساكين من عمليات عسكرية؟

السؤال الأهم كيف أقول له إن: اياد علاوي، والجعفري، والمالكي، والعبادي، والراحل الجلبي، وابراهيم بحر العلوم، وقاسم الفهداوي، كريم عفتان، بارزاني، بيان جبر، خضيّر الخزاعي، هوشيار زيباري، علي حاتم السليمان، عادل عبد المهدي، عمار الحكيم، مقتدى الصدر، خادم بغداد، عبطان، محمّد شياع السوداني، خميس الخنجر، قاسم ابو الكَص، أثيل النجيفي، اسامة النجيفي، فؤاد معصوم، موفق الربيعي، خلف العليان (لا أعلم أين حل به الدهر)، كيف أخبره أن هذه الأسماء العظيمة، وكلّ الأسماء الموجودة ولم يتسع المجال لذكرها، بكلّ جهادها، وتقواها، ونضالها ضدّ صدام، وكلّ مآثرهم العظيمة: عجزوا أن يمنحوه ليلة باردة، لينام فيها، ويبتسم بوجهي صباحاً؟! 

Top