درس الإمارات العربية الثقافي

درس الإمارات العربية الثقافي     2017/11/12 11:18 عدد القراءات: 2224




ضحك الأصدقاء عليَّ، وأنا أبدي نوعين من المشاعر المُتناقضة: المرارة العراقيّة، والاندهاش بِما أراه من تفاصيل لمعرض اللوفر في أبو ظبي، الذي افتُتح حديثاً.

والأمرُ أبعد من موجات الكراهية التي يتضمّنُها خطاب كثيرين، فبعيداً عن الاختلاف السياسي مع الإمارات، إلاّ أن هذا البلد، بدأ بالتحوّل ليكون النقطة الثقافية الأكبر في المنطقة، فضلاً عمّا تفعله أيضاً الغريمة التقليدية لمحورها: قطر.

التصاعد في عملية صناعة الحدث الثقافي، تختلفُ تماماً عن صناعة كلّ التطور الذي نراه في هذه البلدان، العمل الثقافي له رمزيّة عالية، وله محاولة وصول عجيبة وقفزات بمستوى الوعي الذي تقدّمه الطبقة السياسية والمُخططة لهذا البلد أو ذاك، بإمكان أيّ بلد، مع حفنة مليارات وشركات مقاولة أن يقوم ببناء مبانٍ يلتقط السائحون صوراً أمامها، لكن ليس بإمكان أيّ بلد أن يؤسس "لوفر" خاصاً به، أو أن تكون ضمن مجموعته في الفن التشكيلي هي الأخطر والأهم في المنطقة، مثل مجموعة متحف قطر، ومن تفاصيله البسيطة هو أن أكبر وأهم مجموعة من أعمال الفن التشكيلي العراقي تتواجد فيه، وليس في بغداد.

تحوّل المركزيات الثقافية من العواصم (بغداد، بيروت، القاهرة)، إلى (أبو ظبي، الدوحة)، وسط تراجعٍ غريب مرتبطٍ بالوضع السياسي في تلك البلدان هو مرحلة متوقعة تماماً، هنا وبدلاً عن الندْب الذي نمارسه بحق هذه البلدان، التي لا يصفها عاجزونا إلاّ بـ"بلدان البعران" رغم أنها تعجّ بأحدث وسائل النقل، علينا أن نطرح سؤالاً مهماً: كيف فعلت أبو ظبي هذا؟ كيف فعلت الدوحة هذا؟ وكيف لم تتراجع الكويت، والسعودية، وحتى البحرين وسلطنة عمان على الأقل باستمرار مستواها الثقافي؟!

هناك رغبة واضحة، في التصدّي ثقافياً من هذه البلدان، الأمر ليس له علاقة بالمليارات، هناك مليارات سُفحت بطريقة بشعة بزمن حزب الدعوة الإسلامية في العراق، لم تنجح بتأسيس دار نشر واحدة، ولا إنتاج فيلم سينمائي، أو بناية ثقافية، بينما يقوم المواطن الإماراتي في التجوال بلوفره الجديد، وهو يُحاط بأعمال مونيه، ومانيه، وجيوفاني، وضياء العزاوي، وعشرات الأعمال الأخرى، التي يسافر الناس من أجلها، كي يجلسوا أمامها ساعات!

المركزية الثقافية أكذوبة، الأمر لا يتعلق بالأفراد المُنتجين للثقافة، فالإمارات ليس فيها شعراء وكتّاب وباحثون بقدر ما موجود في بغداد والقاهرة وبيروت، لكن الإمارات تمتلك ستراتيجية ثقافية، ستراتيجية تستثمرُ كلّ الأسماء الثقافية المهمة في العالم العربي، حتى تقدم لك الأعلى فالأعلى ممّا يُقدم بالمنطقة: فأهم الغاليريات إماراتية، وأهم الجوائز الأدبية إماراتية، وأهم دور نشر الترجمة إماراتية، والمثقفون العرب الذين نتمنى أن يمرّوا مروراً سريعاً بالعراق تستطيع أن تراهم لأيام في معارض الكتاب سواءً في أبو ظبي أو الشارقة!

في مقرّ وزارة الثقافة العراقية، هناك متحف لأعمال الرواد العراقيين، وهذه الأعمال مهمّة، وغالية، المتحف لا يزوره أحد، ومخزنُ هذه الأعمال يقع تحت دورات مياه 8 طوابق، وكلما تفيض: تتقطر المياه الآسنة على أعمال الروّاد!، تستطيعون التحدث ما شئتم عن العمق الحضاريّ، وهو عمقٌ لا يوجد في البشرية، لكن الثور المجنح وسنطروق هما أيقونات الماضي، والحاضر يقول: لا استراتيجية من أيّ نوع من الأنواع، وعلى جميع الصعد!

لو كان الموضوع يخصّ المليارات، فلا مليارات أكثر من التي ذُبحت على طريق طويريج، من قبل مؤمني حزب الدعوة، ولو كان الموضوع يخصّ البعد الحضاري، فلا بعد أكثر من الموجود في العراق، لكن غياب الستراتيجية، وأن تكون وزارة الثقافة والمؤسسات الرديفة هي "اكسسوارات" على رقبة المحاصصة، كفيلٌ برفع الضغط والسكّري، وكفيلٌ لأن يتقدم العالم كله، ويبقى فرياد راوندزي وزير الثقافة، مستقراً في مكتبه، وبجانبه تمثالٌ سخيف من أعمال خليل خميس، في صورة معبرة جداً عن لحظة الثقافة العراقية بشكلها المؤسساتي! 

Top