التعلق بالمذيعة

التعلق بالمذيعة     2017/10/22 10:55 عدد القراءات: 4614




 لا أعلمُ إن كان العراقيون فقط، أو أنّهم الأشدّ تعلّقاً، بحبّ المذيعات، والتغزّل بهنّ، حتى ليكاد الأمر يكون مقروناً بالولادة، ورؤية الجد مُتعلّقاً بمذيعةٍ ملامحُها بالأبيض والأسود، تنعكسُ على وجهه الحزين حين تظهر كبيرةً في السن في التسعينيات، وربّما رؤية الأب وهو يتغزّل من وراء ستار، بمديحة معارج، وصولاً لشباب العائلة وهم يتسمّرون أمام وجوه مذيعات اليوم، عراقياتٍ وعربيّات!

وحبّ المذيعة والتسمّرُ أمامها، يأتي من عدّة أسباب، يأتي أولاً كونها عابرة، فهي لم تتحوّل بوسترات لتكون على الخزانات الداخلية للمراهقين، ولم تظهر بأفلام سينمائية كفيلة بأن تُعاد وترسخ في الذهن، بكل الأحوال لا يُمكن أن ترى مذيعةً أكثر من مرة، مثلما ترى ميرفت أمين مثلاً، لأنها ممثلة، وهي تمتدّ على 5 عقود أمام حياتك!، فضلاً عن ذلك، المذيعة بكر المشاعر، فهي تقرأ الأخبار، ولا يُقبّلها حسين فهمي، ولا يمسّها أحد، لكنها تبتسمُ بكرمٍ، لكل المشاهدين، حتى ليشعر المشاهد، للحظة، أن هذه المذيعة تبتسم له فقط.

وتجمعُ هذه الكائنة، النقيضين: ابتسامة ساحرة، وأخباراً سياسيةً تتعلق بالقتلة واللصوص، وأحياناً اخباراً أمنية، يُنسّيك بياضُ أسنانها اللافت عدد الضحايا، وخلفية الخبر الباردة.

والمذيعة، هي غير مُقدّمة البرامج، حتى إن قدّمت برامج، فظهورُها في النشرة، هو غير الظهور البشري الاعتيادي، نشرةُ الأخبار هي الصوت الأعلى، وتحلّق العائلة أمام التلفاز، ومعرفة "شكو ماكو"، وبالنسبة لي، رغم سنّي الصغير آنذاك، كانت الكمانات التي تُنبئ ببدء الأخبار، وهي نفسها بداية أغنية "بغدادُ يا قلعة الأسودِ" لأم كلثوم، هي الإيذان لرؤية إقبال حامد، بعينيها السوداوتين، وهي تقرأُ الأخبار، وكم فرحتُ بعد نحو عقديْن من هذه النشرة، حين صارت إقبالُ صديقتي على فيسبوك، ومرّةً هنأتني بعيد ميلادي!

المذيعةُ لا تكبرُ، سحرُها يتغيّر طعمه، فحسب، ومنجم المذيعات لا ينفد، وكلّما ظننتَ أن الجمال قد استقر، ونضج لفرط كثرته، تقوم القنوات بمفاجئتك ووضع ملامح جديدة للتلفاز، من أجل احتمال الحياة بشكلٍ أفضل.

المذيعة بلا سنٍّ، ولا سنوات، كلّهن شابات، وإن كبرنَ، وكلّهن أناث وإن قالت إحداهنّ "وقد أكد نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي"، وأخطرُ أنواع المذيعات تلك التي لا تمنحك فرصة رؤية السيبتايتل أسفل الشاشة.

للمذيعة ابتسامتان مسموحتان، الأولى عند بداية النشرة، إن لم يكن هُناك تفجيرٌ قويّ، والباقي يكون هناك تجهّم مُتصنّع، من أجل تجنّب إزعاج مدير الأخبار، والمدير العام، والابتسامة الأخيرة هي في آخر النشرة، قبل "في أمان الله" تحديداً، انتبهوا لهذه الابتسامة، هذه بالضبط ابتسامة المذيعة المنزليّة!

في العراق، المذيعةُ تسبقُ المطربات بالإعجاب، والممثلات، حتى وإن اكتفى الشاب بتسمية المذيعة "الصاكة ام العهد"، أو "الحاتة ام الرشيد"، أو "الحلوة أم الفرات"، هكذا يحوّلها إلى "أمّ" للقناة، فهي ملامحُها، ووجهُها، ولا يتورّع أحدهم على التغزل بها في فيسبوك، بمنشورٍ أو تعليق.

في حين تبدأُ المذيعاتُ العربيّات بالتشابه، نظراً للبوتكس الموحّد، والفلر الذي يكاد يكون إجبارياً عليهنّ، لا تنسى المذيعة العراقيّة أنّها عراقيّة، وأن مزاجها لا يتطابق بشكلٍ مستمر مع عمليات التجميل، وإنك – ويا للحظ – تقفُ أمام امرأة عراقية Pure، لم تدنّسها الجاهليةُ التجميليّة بمدلهمّات ثيابها، وبالحالتين: إن ظهرتْ إسلاميّةً بجُبّة، أو متحرّرةً سافرة، فإنك أمام وجهٍ يسهمُ قليلاً باحتمال الحياة.

لا مُذيعة محددة في ذهني، وأنا أكتب هذه الانطباعات، هي امرأة عمرُها ثمانون عاماً وما زالت شابةً وربما طفلة، فيها ملامحُ كلّ مذيعة ظهرت أمامنا في التلفزيون، وقلعت القلوب، ووضعتها بين أيدينا، وقالت "وفي سياقٍ متصل". 

Top