.... اختك

اختك     2017/10/09 19:37 عدد القراءات: 5752




لا فكرة تشغل عدداً كبيراً من الفلاسفة المتواجدين في هذا العالم حالياً، بقدر فكرة "انهيار قواعد السلوك"، والتبريرات التي تنتج بشكلٍ مستمر أمام أيّة جريمة. كلُّ جريمة، وكلّ خطأ أخلاقيّ تربّت عليه البشريةُ على أنه "خطأ"، يُبرّرُ بشكلٍ بسيط، من قبل أفراد بسطاء، وسياسيين، ومثقفين، وأدباء، وفنّانين، وغيرها.

لم يعد هناك ما يحفظُ قواعد السلوك البشريّ هذه، على الأقل بنسختها التوراتيّة، أو الإنجيلية، أو القرآنية، وصار العالم بأسره يستمرئ فكرة أن هذه الجريمة ضرورة هنا، وضرورة هناك، وأن مجاعة هؤلاء ضرورية، ومقتل هؤلاء ضرورية، وأن الخطاب العنصري في بعض مفاصله ضرورية، ألم يكن الجنون كافياً حتى يتمّ اختيار شخصية مثل ترمب، رئيساً لأكبر دولة وأخطرها في العالم؟

قد يبدو العالمُ معطوباً بأكمله، لكن مثل التجوال في برنامج google map أدخلُ باتجاه الرقعة السكّانية التي تحيطني، وأتساءل عن هذه البنايات الأخلاقية الكبيرة، التي تنبع من كل مكان، من عُرف العشائر، من القانون المدني، من القرآن، من السيرة، من أحاديث آل البيت، من الشعر العربي وحكمته، وأرى أن ما تأسست عليه عقولنا يُخالَف بشكلٍ لحظيّ، ومن قبل الجميع، حتى من الذين مهنتهم إدامة العرف العشائري والقانون وتفسير القرآن وأحاديث آل البيت!

في هذه اللحظة، عام 2017، يُفترض أن العالم قد أنهى دوره الأخلاقي وأسَّسَ ما يجب أن يُفكَّر به، لكنك ترى بشكل بسيط مئات الناس، أو الآلاف، وربما الملايين، وهم يفرحون بإعصار يضرب المدنيين في الولايات المتحدة، وآخرين وهم يدعون في صلاتهم، لإلههم، بأن يُنهي اليهود والنصارى والروافض والكفرة والملحدين والعلمانيين، وغيرهم، ولهم ما يُبررُ كراهيتهم بنصوصهم المقدسة نفسها.

في العراق، حيث كلّ شيء أسرع فيما يخصّ النكبات، يفاجئك هذا المجتمع بمغادرة أشياء كثيرة، كانت هي من خطوطه الحُمر، ليس "عيباً" أن ترى زعيماً سياسياً المُفترض أنه عراقي، وهو يصرح بشكلٍ بسيط، بأنه يتبع رغبة إيران، أو سياسياً آخر وهو يهلّلُ لتركيا، أو السعودية، وليس عيباً منهما أن تسمع تصريحاتهم بالحرب وإشعال النار، ليس عيباً أن يُحيّي سياسيّ مثل خميس الخنجر داعش بوصفها "ثوّار العشائر"، ليعود مرةً ثانية ليدخل السفارة العراقية في عمّان ليهنّئ العراق بانتصاره على داعش، وليقول في وقت لاحق "لستُ نادماً على أيٍّ من مواقفي"، وليس عيباً أن ترى نائبة مثل عواطف نعمة وهي تطالب بمساواة حصّة التفجيرات بين مدينة الصدر والأعظمية، لأن المنطقة الأولى شيعية، والثانية سنية.

ليس عيباً أن يجلس شيخ عشيرة، في فصلٍ عشائريّ، سببه جرذ، أو قطة، أو كيلة رمل، أو إطار سيّارة سعره 30 دولاراً، وليس عيباً أن يطلب الموظّف رشوةً، وليس عيباً أن يقوم شابٌ بنشر صور حبيبته، ويقول: ألف لايك وأنزّعها!

انهيارات بالجملة، تمتدُّ على كلّ شيء، أعلم أنني أبدو حالماً، لا أبحثُ عن مجتمع معصوم، ولستُ معصوماً أنا أيضاً، لكن ليس من المبرر أن ينهار كلّ شيء بهذه الطريقة، أن يكون التمثيلُ بالجثة حلالاً فقط لأنها ليست من جثثنا، وأن يكون جوع طفل اعتيادياً فقط لأنه ليس من صلبنا، وأن تكون المدن قابلة للشتيمة، فقط لأنها ليست مدننا!

شيءٌ عجيبٌ أن ينهار كل شيء فيما يخص قواعد السلوك، تلك التي ستغدو أثراً من فلكلور الشعوب بعد عدّة سنوات، حين يكون هذا الانهيار هو الأساس، وأن يكون الخُلق القويم البشريّ هو الشذوذ في القاعدة.

ملاحظة: أعلم أن ليس هناك أي ربط بين عنوان المقال، وبين محتواها، لكنها فقط لأواجهكم وأواجه نفسي، بالغريزة الفضائحية التي تجعلنا نبحث عن هذه الأشياء، حتى وإن كانت في مقال صحفي! 

Top