حلول قديمة لمشاكل جديدة

حلول قديمة لمشاكل جديدة     2017/09/24 16:04 عدد القراءات: 501




يتحدث جواد ظريف، وزير خارجية إيران عن العقوبات الاميركية على بلاده بالقول بأنّ أسوأ ما في هذه العقوبات هو إنها "وسيلة قديمة لأغراض جديدة".

أمّا قِدم هذه الوسيلة، فلأنها (مع استذكار التجربة العراقية في التعرّض لحصار دولي لم يكن ممكن رفعه عملياً)، قد أصبحت تراثاً سياسياً أميركياً تتعامل به الولايات المتحدة مع خصومها. وأمّا كون الأغراض (متجددة) فلأنها يجري ضبطها بين حين وآخر لتتلاءم مع الأهداف الأميركية التي تفرض حالها في ذلك الوقت، وتتغير بالتأكيد مرحلياً.

الأهم من هذا، أن العقوبات صارت ضمن المفهوم العالمي مُحاولة لدفع العربة أعلى التل، أي عكس الجاذبية.

وماذا تستولد العقوبات في العادة؟

إنها تخلق بيئة واسعة من شبكات التهريب المتداخلة مع الحكومات وكلائها.

إنها تعطي انطباعاً عالمياً بأن الاستجابة والخضوع لن تكون بالضرورة سبباً لرفع العقوبات عن الدولة المعاقبة.

إنها ستجعل استجابة الدول لعملية فرض العقوبات متغيرة وفقاً لمساومات تلك الدول مع أو ضد ما ترمي إليه الولايات المتحدة من وراء فرض العقوبات.

كل هذا سيخلق بيئة منقسمة في المجتمع الدولي، تستجيب بتفاوت لعملية فرض العقوبات على بلد ما، وبالتالي فهي تستولد (قواعد جديدة) للعبة الأممية بعيدة تماماً عن مبادئ القانون الدولي والمـُقررات الأممية.

يمكن تعداد عشرات الأمثلة لمثل هذا الفشل الدبلوماسي الأميركي في قضايا عالمية واقليمية حرجة، قد تبدأ من سوريا ولا تنتهي عند كوريا الشمالية، أو العقوبات المضحكة التي تفرضها واشنطن على عملاق اقتصادي مثل الصين.

المهم أن جعبة العقل السياسي الأميركي مازالت تخلو من بدائل دبلوماسية متوازنة، ومازالت تستجيب للانفعال الذي يلجأ أولاً الى فرض عقوبات اقتصادية وسياسية ثم يعيد ضبط هذه العقوبات وفقاً لمتغيرات تكاد تكون يومية.

ومازالت(الزفّة)التي تسببت بها إدارة ترامب حول منح تأشيرات الدخول الى الولايات المتحدة ومنعها عن فئات بعينها حاضرة ولا تبعد سوى شهور قصيرة. لكن السؤال؛ هل كانت تلك العقوبات ناجحة في تأدية مهامها؟ هل أصبحت الولايات المتحدة بفضل فرض هذه العقوبات مكاناً أكثر أمناً؟

الإجابات من الداخل الأميركي تأتي دائماً بالسلب على النتائج، لا؛ لم تغير من واقع الأمر في شيء.

لكن(سكّين)العقوبات من الممكن أن تجرح حاملها وتتسبب له بإصابات خطرة. وما حدث مع (مايكل فلين) مستشار الامن القومي الأميركي مازال طازجاً جداً على رفّ الأخبار.

(مايكل فلين) جنرال أميركي قاد جهاز الاستخبارات العسكرية خلال فترة إدارة أوباما، لكنّ تصريحاته ومواقفه (وحتى كتاباته)اليمينية المتشددة دعت أوباما الى(طرده) من الخدمة.

وذهب الجنرال المطرود الى تشكيل شركة للاستشارات الأمنية والاستراتيجية. وتلقى دعوة من الجانب الروسي لحضور برنامج تلفزيوني على قناة روسيا اليوم. وتلقى نظير تلبية تلك الدعوة مبلغاً بسيطاً من المال، وهو أمر غاية في الخطورة من جانب العُـرف السياسي الأميركي بالنسبة لجنرال سابق وقائد سابق لجهاز الاستخبارات. (تلقي جنرال عسكري سابق لأموال من دولة مشمولة بالعقوبات الاميركية).

ثم انهمك في فعل أسوا من ذلك، إذ تلقى أموالاً خلال مشاركته في حملة ترامب الانتخابية من جهات تركية مقرّبة من أردوغان حثّته على اتخاذ موقف متشنج من الداعية التركي المعارض(فتح الله غولن). ثم ارتكب حماقة أكبر حين جرى ترشيحه رسمياً لمنصب مستشار الأمن القومي الأميركي فذهب الى السفير الروسي في واشنطن و(ناقش)معه موقف الادارة الأميركية الجديدة من العقوبات الأميركية على روسيا.

الأمر الذي عدّته الأوساط السياسية والصحفية الاميركية بمثابة فضيحة، لأنه ببساطة عرض مقايضة سياسية على الروس وهو مازال (مرشّحاً) لشغل منصب لم يتسنّـمه بعد.

لهذا، صار واضحاً لدى الأوساط السياسية العالمية، أن الولايات المتحدة ما إن تفرض العقوبات على دولة ما فهذا يعني صناعة مغناطيس عِملاق جديد سيجتذب أسباباً جديدة للتوتر في العالم بوسائل قديمة أعيد استخدامها وثبـُت أنّها لا تعمل بإحكام أبداً.

Top