رسالة إلى صديقي عمر

رسالة إلى صديقي عمر     2017/09/07 17:29 عدد القراءات: 6798




بلحظةٍ واحدة، تهاوتْ المدن، وغزتْها اللحى القذرة، بكلّ نصوصهم المدنّسة، كنتَ حائراً بكتب المؤرخين الذين تحبّهم، وكنتُ أنا أواجه ديوان الجواهري وأدندن معه:

هذا العراقُ، وهذهِ ضرباتُهُ – كانتْ لهُ من قبلُ ألفٍ ديدنا

وبلحظةٍ واحدة، جلستُ أمام حاسوبي في بغداد، وأنتَ أمام حاسوبك ولا أعلم أين، ورأينا المطارق التي ارتفعت لتهوي على الثور المجنّح، وعلى النار وهي تلتهم المخطوطات في نينوى.

كنتُ أجلسُ وأسندُ ظهري لجداريَ الشيعي، وأنتَ تجلسُ وتسندُ ظهرك لجدارك السنّي، وكلانا غير مقتنع بالجدارين، كنا نبحثُ عن جدار يمثّله الجفقيم، والثور المجنّح الذي حطّمه القذرون، ورائحة الحبر في مخطوطات أبي تمّام في نينوى، أو أبي نؤاس في بغداد، نقلّبُ هويّاتنا في أيدينا ونتساءل: أتُرى هل جبنت البلاد عن إيجاد ملامحها؟ وهي تبيع آلاف السنوات بعدّة قرون قوامُها الدمُ والسبي؟ هل عجزنا عن مفارقة حائطيْنا؟ ونحن نمتلك سوراً عظيماً يبدأ بطابوقة اسمُها كَلكَامش، ولا ينتهي بطابوقة اسمُها آشور ناصربال.

ماذا حصل يا عمر؟ هل كنا أنا وأنتَ حالمين لهذه الدرجة؟ بخارطةٍ موحّدة؟ ومن أين خرج هؤلاء؟ أعني السيّئين من حائطك، والسيّئين من حائطي، السيّئين الذين ننتمي لهم أحياناً، وينتمون لنا، لولا الحبل الذي يشدّنا لسرّة الأرض، أعني هذا الوطن الذي ابتلينا وابتُلينا به.

كم ضحكنا على يأسك ويأسي، وكم بكينا على تفاؤلنا وهو يتفتّت بإصدارات "صليل الصوارم"، كم ارتفعت قلوبُنا مع العلم وهو يرفرف على أرض الموصل، وكم احمرّت الأعين ونحن ننظر للمدنيين وهم يختلطون مع طابوق منازلهم.

"الطائراتُ تطيرُ، والأشجارُ تهوي

والمباني تخبز السُكَّانَ، فاختبئي بأغنيتي الأخيرةِ، أو بطلقتيّ

الأخيرةِ، يا ابنتي

وتوسّديني كنتُ فحماً أم نخيلا" [درويش].

أنا وأنتَ نقفُ الآن على تلّ العراق، وننظرُ لمدنه، الجائعة، العطشة، المُهدّمة، وإلى ما خسرناه ونخسره.

اللعنة على الأمل! يجمّلُ خساراتنا، اللعنة على الغد، ينسّينا مرارة يومنا! اللعنة عليكَ وعليَّ، لأننا نؤمن بهذه البلاد، ولو كنّا أقلّ ارتباطاً بأثداء أمّهاتنا، لتقاذفتنا المطاراتُ ورأينا أنفسنا في بلدانٍ ليس فيها رائحة الطين، ولا يصفعكَ صوت داخل حسن ليلاً وهو يقدمُ من شقوق المقهى القديمة.

ماذا بعد؟ ماذا نفعل بهذا الطابوق؟ وكيف يُمكن أن نقنع، أنا وأنت!، كلّ عليّ وعمر يكتفيان من مائدة العراق بكسرة خبزٍ إسلاميّة؟ كيف نضمّهم لحزب الخاسرين؟ الحزب الذي ينتصر للوردة، والهدوء، ويصيب السيوف والصراخ بالعقم؟

كيف يُمكن أن نقنع أنفسنا ببسالة الخُسران؟ خسارة البلاد، وما فيها، ومَن فيها، هل جرّب الآخرون أن يجلسوا قرب أصدقائهم، ويرون قمصانهم وقد تمزّقت، وجلودهم قد صارت مشعرةً بطريقة مقززة، وصاروا مستذئبين؟ وهم يعوون تحت قمر أحمر دمويّ؟ كيف يُمكن أن نعيدهم كما كانوا، بلا خوفٍ من اكتمال القمر؟!

أما آن أن نسند ظهورنا لحائطنا القديم هذا، ونتنفس الصُعداء أخيراً؟ لا مناص، ولا راحة يا عُمر، الصفحاتُ التي تُنبتُ اللحى القذرة ما زالت موجودة، ومسألة وقت قبل أن تنمو من جديد، ولا طريقة لاحتمالها إلاّ أن نُطلقَ لحىً في عقولنا، ولا يفعلُ هذا مَن يحبُّ الجومرد والجواهري!

لا يفعلُ هذا مَن يقدّس امرأةً ويصنعُ منها إلهةً، كما فعلَ أجدادُكَ وأجدادي في آشور وسومر، ولا يفعلُ هذا مَن عُجن مع الموسيقى ولا مَن كان اللونُ تنفّسه، والمخطوطات ملامح وجهه.

هي معركةٌ مستمرّة، أنا وأنتَ نحملُ سيفينا منذ 7 آلاف عام، قُتلنا آلاف المرّات، وكنّا كلّما قُتلنا نتبرعمُ من جديد، في حزبٍ يخسرُ معاركه باستمرار، ويكسب نفسه.

 

Top