المالكي لا يُخطئ باللغة ولا بالإملاء

المالكي لا يخطئ باللغة ولا ب     2017/09/02 16:27 عدد القراءات: 19943




أعرفُ هذا، ولم أعلق على الرسالة النصية التي استلمتُها مع غيري من العراقيين، والتي يقول فيها السيد نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي "أهنئكم بعيد الأضحى المجيد جعلة الله يوم خيرا وفتحا ونصر للعراقيين جميعا".

الرسالة فيها أخطاء لغويّة، لكنني أعلمُ تماماً أنّه ليس خطأً من السيّد المالكي، المالكي ذو لغةٍ مضبوطة "ضبط العكَال" كما يقول أهلونا، وقويُّ اللغة، لفظاً قويُّها كتابةً، خصوصاً وأنه ذو كتابٍ لا بأس به، وهو تحقيقٌ لديوان جدّه محمّد حسن أبو المحاسن، حمل عنوان (ديوان أبي المحاسن – ودراسة عن حياته والاتجاهات السياسية في شعره)، لكنني أهديتُهُ لصديقٍ غير عزيز، خوفاً على مكتبتي، لئلاّ أفقدَ ثلثها مثلاً!

كنتُ ابتسمُ وأنا أرى أصدقائي يسخرون منه، وعدتُ لنفسي قبل عقد من الآن، حين كنتُ أرى خُطبه، أيّامَ مرحلة "الاستذئاب اللغويّ" كما يحلو لي أن أسمّيها، وهي المرحلة التي يقوم بها المراهق بالتصحيح اللغويّ لكلّ ما يراه، أو الجلوس أمام التلفاز لتصيُّدِ الأخطاء، واللحن، لكنني كنتُ معجباً بهذه الخصلة لدى المالكي، وهو إمكانيّة أن يتحدّثَ ساعةً كاملة، دون أن يُخطئ. مرّةً واحدةً أخطأ، حين نصبَ اسمَ كان، واستدركها سريعاً، وأثار إعجابي حينها.

المالكي لا يُخطئُ باللغة، هو وسياسيون قليلون آخرون، هل أذكر مثلاً "العلاّمة" باللغة العربية د.عدنان الدليمي؟ هو الآخر لسانُهُ سيفٌ فصيحٌ، لا يأتيه الباطلُ اللفظيّ، الجعفريّ كذلك، رغم أطنان الكلام الذي لا قيمة له، لكنه لا يُخطئ، وغيرهم قليلون آخرون، هم كائناتٌ كلاميّةٌ، معنيّة باللغة، والإملاء، والبلاغة، والصوت العالي، يختارون أدقّ العبارات التي تنفعُ بالتأجيج، فليسَ أيّ رئيس وزراء يقول "فقاعة" عن آلاف غاضبين متجمهرين في الشارع، ولا أيّ نائب حينها يعرفُ كيف يستفزّ الشيعة بقوله "بغداد العبّاسية".

المالكي، وغيره من الإسلاميين، هم عربٌ أقحاح، بالنسق الذي يتعامل مع الصوت، واللغة، بوصفها وجوداً وحيداً، لا بوصفها "بيت الوجود" بحسب هيدغر، بل أنها الوجود الوحيد، الوجود الخالي من المعنى، والذي يبقى غيمةً صوتيّة بينه وبين المُرسل إليه هذه العبارات!

يعلمُ تماماً، المالكي ومَن يشبهه، أنّ العراق، وما يجاور العراق، هي بلدانٌ تؤخذُ بالخطابة، والصوت العالي، خطابةُ عبد الناصر صنعتْهُ، كوميديا القذّافي أوقعتْهُ، يعلمُ تماماً أن العراقيين لن يقتنعوا بملكٍ سعوديّ أبداً، لأنه لا يجمعُ مفردتين بشكلٍ صحيح مع بعضِهما!

غيمٌ من كلام، فوق كلام، يمزجونه مع الكلام المقدّس، مع قليلٍ من الأمثال، وبلاغةٍ شديدة، أحياناً لفرط بلاغتها تبدو مضحكةً مثل "تسلّل النملة السوداء على الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء"، التي قالها أبو اسراء، ذات يوم.

بعد أن انتهت مرحلةُ الاستذئاب اللغويّ هذه، أو أحسبُ أنها انتهت بالنسبة لي، بدأتُ أخافُ من البلغاء، لأن مَن يبدي كلّ اهتمامه بما يقول، لن يبدي أيّ اهتمام بما يفعل، وأن تأجيج المتلقي، سيحتاجُ قنابل لغويّة أكثر فأكثر، فيها كلّ الدم والعنف والأنساق الوحشية التي تحفل بها لغتنا العربيّة، المسكينة بنا، ونحن المساكين بها!

بدأتُ أميل كثيراً لمَن لا يُجيدون الخطابة، ولا الكلام المحبوك مثل سلسلةٍ حديديّة، أميلُ لمَن لا يجيدون الكلام أصلاً، لكنهم يتكلّمون بلداناً آمنةً، وشوارع نظيفة، وهدوءاً سياسياً من شأنه أن يُنهي زَبَد اللغة الشفاهية العصابيّة التي لا ينتجُ منها إلاّ الموت.

أبناءُ سيّد قطب، السنّة والشيعة منهم، البلغاء، الذين لا يُمسّ الفاعلُ ورفعُهُ في وجودهم، ولا يُمسّ نصبُ المفعول به أيضاً، معنيّون بلغتهم وإملائهم جداً، معنيّون لدرجة أنهم من الممكن العيش بلا أخطاء لغويّة، ودون أيّ صوابٍ واحد في حياتهم السياسيّة الفعلية! 

Top