حب الصمون الحجري!

حب الصمون الحجري     2017/08/25 18:14 عدد القراءات: 4249




شيزوفرينيا عملاقة، تلك التي يُصيبُنا بها العراق، أن يمنحك بلداً مُخاتلاً، فيه من السوء الكثير، وفيه من مبرّرات الأمل، يمنحك رغيفاً غريباً، مليئاً بالحنظل والعسل بوقتٍ واحد، وعليك أن تتأقلم مع المرار، وأن تستمتع بالمذاق الحلو، قبل أن يمحوه المرار باللقمة التالية، وهكذا!

لماذا لا نُغادر هذه البلاد؟ مثلما فعل كثيرون، وهم محقون، إذ أن قضمتهم المرّة كانت ربّما أشد مرارة ممّا نتناوله، مصادفةً، الآن؟ كانت هناك فرصٌ عديدة لي شخصياً، ولم أجرؤ على التفكير، بل أنني أتعبتُ كثيراً من الأصدقاء بالسؤال عن اللجوء، والطريق الآمن، ولمّ الشمل، وغيرها من التفاصيل التي لا تؤشر إلاّ على دمار ما نمرّ به!

لكن هناك مشكلة، كبيرة، تمنع كثيرين من المغادرة، وأنا منهم، المشكلة اسمها: الارتباط بالمكان، وبطريقةٍ مَرَضية، تجعلك لا تستسيغُ حديثاً شهيراً مثل "خيرُ البلادِ ما حَمَلك"، بل "خيرُ البلاد بلادي، حتى وإن خربتْ"!

أحياناً، أحدثُ نفسي، وأنا أتجوّل في الكرّادة داخل، التي أستطيعُ وفق حاسة الشم، لوحدها، أن أحدد أين أنا، كيف يُمكنني قلع نفسي من هذه التفاصيل؟ من السمك الذي يلبطُ في الأحواض الفرفوري في أرخيته؟ من رائحة القهوة أمام مطحنة رضا علوان، أو رائحة الجلد من محالّ الأحذية، أو رائحة القماش الجديد قرب بسطيّات المنازل؟ أو الماء الذي لا ينقطعُ على أرض مقهى أبو حالوب؟!

هذه الكرادة، فقط، التي ماتت أو شبه ماتت مؤخراً، بعد انفجارها الكبير، ماذا عن مدينة الصدر؟ والبلديات؟ وشارع الرشيد؟

يسخرُ مني أصدقائي الذين يركبون معي من ساحة التحرير إلى الباب المعظّم، وأنا أعدّدُ لهم المباني وأسماء مصمميها وجمالياتها، بل أنا مرتبطٌ حتى بالمباني التي تحوّلت إلى أشياء ثانية، مرتبطٌ بذكراها، تلك التي لم أرها في حياتي!

هذا الارتباط، هو مرضُنا الأساسيّ الذي يحرمُنا الخروج من العراق، الذي نكنّيه بـ"شيوصلنا لهناك؟" أو "ماذا نعمل؟"، وغيرها من الأسئلة التي نعرفُ أجوبتَها.

يتجلّى هذا المرض، في السفر السريع، بعد انقشاع لذة اكتشاف المكان الجديد خلال الأيام الأولى، تبدأ بالاشتياق لما تعرفه، ويعرفك، ويقف في رأسك شيطان المقارنات، الذي يكبّر بعينيك التفاصيل الصغيرة، ويهدّم المواضيع الكبيرة التي تفتقدها في بلادك.

عام 2008، عبرتُ الشلامجة باتجاه البصرة، قادماً من إيران، إيران التي تغصُّ بالاخضرار، والتبليط، والكهرباء المستمرة، والأمان، وكلّ الأشياء التي نحلم بها، كنتُ "ذا فمٍ مرٍّ مريض"، على قول المتنبي، لم ألتذ بشيء منها، لكن هواء البصرة الحار، بشهر آب، كان الذّ على قلبي من قبلات حبيبة، وطعم الصمّون الحجري، على بساطته، كان أجمل من جميع المطابخ العالمية التي أكلتُ منها في سفري!

هذا الارتباط مؤذي، ويوقفُ الحياة التي نتمناها عقلياً، وتبدأ بلعبة القطّ والفأر بين الروح والعاطفة من جهة، والعقل والإدراك من جهةٍ أخرى، حتى تختار مصيرك الحاد، المؤذي، البقاء في البلاد مهما تكلّف الأمر!

والبقاء، مع ارتباطٍ مكانيّ، لا يعني التأقلم مع السوء، ومَن يرتبطُ بالمكان هو بالضرورة محبٌّ له، ومقدِّسٌ له، وهو محاطٌ بطريقة مزعجة، بكل مَن لا يحترمُ المكان، ولا ما يمثّله، ولا حتى بالحاضنة القانونية والسياسية التي اسمُها "الدولة".

الحربُ العادلة، التي يقودها الباقون هنا، المرضى بحبّ المكان، مستمرة، حربٌ من أجل: الدولة، وحبّ المكان ومَن فيه، بكلّ ألوانهم!

"تريدون صمون حجري"؟

Top