عينه شكبرها!

عينه شكبرها     2017/08/24 18:45 عدد القراءات: 3926




في اللحظة التي قال فيها المُغنّي "صدْ ليّه واختلّيت، عينه شكبرها!"، لم يكن الرجالُ يظهرون اختلالهم أمام عيون نسائهم، كانوا فولاذيين، ينامون فوقهنّ، بسرعة، وحين يكملون ما كانوا يريدونه، كانوا يقومون ببساطة للاغتسال أو الذهاب إلى أصدقائهم، كانوا بلا مشاعر ظاهراً، لكن قلوبهم الحرّى لم تحتمل إخفاء ذلك، ففلتتْ في كلام الأغاني، ثمّ تشجّعوا، حتى صار أحفادُ هؤلاء الفولاذيين، يعبّرون عن اختلالهم، أمام العيون الكبيرة، بشتّى ألوانها، بكلّ ما فيها من سحرٍ وقداسة!

ولا أعلمُ شيئاً في المرأة، تمّ التغزّل فيه، والخوف منه، بقدر هاتين المنطقتين الصغيرتين في وجهها، اللتين لا تمتدّان بأفضل الأحوال إلا على عدّة سنتمترات صغيرة، لكنّها تحملُ الرجلَ الفولاذيّ هذا، وتضربه في الأرض وهو واقفٌ في مكانه، تزعزعُ كلّ ما فيه، بنظرةٍ بسيطة، من كائنٍ جعله هذا الفولاذيّ هشّاً..

يصرعنَ ذا اللُبِّ حتى لا حراكَ به

وهنَّ أضعفُ خلقِ اللهِ أركانا  

شريطُ شعرٍ صغيرٍ اسمُهُ الحواجب، ورموشٌ صغيرة، وبؤبؤان لطيفان، هُما تلك القوى السحريّة في العالم، لا تستطيعُ امرأةٌ أن تهزّكَ بلا عينيها، تخيّل امرأةً عاريةً، تماماً، بجسدٍ أفروديتيّ، لكنها ترتدي نظّارة سوداء. هي غير موجودة، عيناها محجوبتان، إذن: هي محجوبة!

لا أحد يستطيع أن يصفَ العيون، أبداً، نهربُ منها، ربّما نصفُها بغيرها، نصفُ ما يُحيطها، لكن اللسان يُعقد، والحروف تهرب أمام هاتين المصيبتين الصغيرتين العذبتين، فهاتان هما الكلام، والشهوة، والغضب، والرضى، والسعادة، والاطمئنان، والخوف، تستعيضُ المرأةُ بها عن لسانها وقدميها وجسدها، باستطاعتها فعل كلّ شيء في عيونها، هل تذكرون أسطورة ميدوزا؟ أكادُ أجزم أن مخترعَها هو عاشقٌ لم يعرف حدّاً لتأثير عيون حبيبته، فصنعَ منها شيئاً مخيفاً، يحوّلُ كلّ شيءٍ إلى حجر.

وكم مرةً صنعت العيون من أحجارنا بشراً يمشي ثملاً، بعد أن تلتقي العيون الأربعة، وآلاف المفردات تتناقلُ بسرعة الرصاص فيما بينها، بالنظرات، وكم كانت العيون كفيلةً بوصف فلانة بأنها "ملاك" أو "شيطان"!

لا أحد يستطيع الوصف، هل نتذكر اللا وصف الذي قاله الحاج زاير الدويّج، بزهيري مشهور له؟:

كَال: شتوصف خطوط حواجبه وعينه؟!

كَلت: الحواجب حواجب، والعيون عيون!

هكذا فقط، تكتفي العيون بنفسها، وكلّ ما في الوجه هوامشُ لمتن العين، ما الشفاه أمامها؟ ما الأنف، وإن كان أنفاً لطيفاً؟ ما الخدود التي تشبه الشقائق؟ ما الحنك؟ كلّها عيالٌ على العيون، وتوابع لها!

ولا تكتفي العيون بهذا الإزعاج، الإزعاج الذي يجعل الإنسان منا شخصاً يثقُ من نفسه، وأعصابه الحديديّة، فتحطّمه، وتُنهيه، وتقلبه، لا تكتفي بهذا، ثمّ تتلوّن بطريقةٍ عجيبة، من امرأةٍ لثانية، تلك عيون سوداء، هُما أعمقُ ما في العالم، لا نهاية لها، وأنتَ تسقطُ فيهما كما تسقطُ الأجرام السماوية بالثقب الأسود، تبدآن بسحبك بلطف، ثم تُنهي وجودك أمامها، مَن أنت أمام العيون السود؟!

ومَن أنت أمام العيون العسلية؟ المُخاتلة، النقيّة، وهذه أخطر، لأن لونَها واضحٌ، بلا غموض، فتستكين أمامها، وتُنهيك بشكلٍ أسرع، تخيّل نفسك عطشاً، وإذا بك ببركة عسل وماء بارد وخمر لطيفة لا تُصدع، الأمر يُشبه الدخول بجزيرة النساء في الأوديسة، ودقيقةٌ أمام عيونٍ عسليّة، تعادل ثلاثين عاماً.

هذان اللونان المُفضّلان لديّ، أما البنيُّ فلا انتهاء له، دافئٌ شتاءً وباردٌ صيفاً، والعيون الخُضر التي تشبه الحشيش بريعان الربيع، كفيلةٌ أيضاً بصبغ حياتك، والعيونُ الزُرق، البحران الصغيران، اللذان ما تركا سفينةً مُحمّلةً بالقلوب إلاّ وابتلعتها.

ارتكبتُ الكثير من الحماقات في حياتي، لكن أشدّها كانت عليّ، هو كتابةُ شيءٍ عن العيون، العيون التي تُشبه الشعر: ليس لها أيّ تعريف، لكننا نعرفُها تماماً، وما إن نتحدث بها، حتى يزول معنانا منا، ونتحوّل إلى ذكورٍ مساكين، لا حول لهم ولا قوّة، أمام سنتمترات هي أقوى من الموت حتى!

Top