بين العالم والجاهل أصبع واحد!

بين العالم والجاهل أصبع واحد     2017/12/04 10:44 عدد القراءات: 1041




لدي ميل غريب في الآونة الأخيرة للاستماع من الأشخاص "المتعلمين"، وفي بعض الأحيان استرق السمع، لتقييماتهم تجاه الأشخاص الذين يطلق عليهم عادةً "أنصاف متعلمين" أو "البسطاء"، علماً أن هذا التوصيف الأخير لا يقصد منه إبراز ميّزة لهذه الشريحة، بقدر ما هي مفاضلة بينهم وبين المعقدين معرفيا! وبحكم التنشئة المضطربة التي خضعت لها، ظننت أن التعقيد المعرفي يمنحني فهم زائد وحكمة فريدة، أو هكذا فهمت اللعبة! وهو جهل على كل حال.

يبدو أنها مقابلة "منطقية" تضع المتعلمين في معسكر و "البسطاء" في معسكر آخر كمحاولة للتمايز بين الاثنين. وهذا التقابل بتعبير المنطق هو تقابل تضاد كما يتضاد السواد والبياض، ويظهر أنهما لا يلتقيان.

ليس هذا بالأمر المهم، وإنما الأمر الأكثر أهمية هو ذلك الشعور اللذيذ بالتفوق الذي تنتشر عدواه بين أوساط المعقدين معرفياً، وتتعداهم لتهدد معاقل البسطاء! وتربكهم، لكنّهم، ولحسن الحظ، لا يشعرون بالاغتراب، ذلك أنهم "يعيشون اليوم بيومه".

 إن ما يتمتع به هؤلاء البسطاء من صفات خارقة!! يندر وجودها عند غيرهم؛ كالوفاء بالعهود، الصبر على مكاره الدهر، غياب الحسد والغيرة والتكبر، التلقائية في التعامل، الذكاء الفطري الذي يتمتعون به، وغياب التنافس القذر الذي نلحظه عند بعض "المتعلمين"، إذ يمكن لبعض الكتاب أن يعرض ضميره بثمن بخس ليطبل لولي نعمته بلا أدنى اعتبار لاحترام الذات، ولا يقتصر الأمر على الكتّاب الصغار، بل ينافسهم في ذلك بعض"الكبار" أيضاً دون أن يرمش لهم جفن.

في تجربتي المتواضعة، قلّما وجدت إنساناً من هذه الشريحة المحترمة يعاني من تشظي الذات والتقمّص المخجل، فهو هو وليس شيئا غيره!، ذاته واحدة، وخطابه واحد، يصدر عن تلقائية محببة إلى النفس، وعلاوة على هذا لا يعاني من الكآبة والسوداوية والاغتراب!، ولا يشكو جهل الناس، ولا يصفهم بالقطيع.

معلوم أن ذوي الملكات العقلية المميزة يمنحون الحياة قدراً من التقدم والازدهار، ولا يمكن تصوّر الحياة بلا فلاسفة وأدباء ومفكرين وعلماء (متى كان هؤلاء متكبرون؟!)، لكنّه ليس مسوغاً كافياً لجعل العلاقة بينهم وبين شريحة البسطاء علاقة تضاد، بل هي علاقة تضايف: يتوقف وجود هذا على وجود ذاك.

وبهذه العلاقة الاعتمادية، يصعب تلمّس ميّزة لطرف دون آخر، حتى صفة الأميّة ليست سبباً كافياً لمعيار التعلّم!، ذلك إن الجهل يتوزع بعدالة على كل الأطراف، وأصعب أنواع الجهل وأخطرها هو الجهل بالواقع وإحالته إلى قصيدة شعرية رومانسية!

الحياة في نهاية المطاف شبكة هائلة من العلاقات المتشابكة، إنّها علاقة اعتمادية، حركة تعشّق، تشبه التداخل المحكم في الآلات الميكانيكية، فأصغر شيء يؤدي وضيفة متداخلة مع الآلات الأخرى، ولا يمكن تصور شيء قائم بذاته إلّا إذا نظرنا إلى مكوناته الأخرى.

الحياة في نهاية المطاف ليست وديان منفصلة، بل سلسلة لانهائية من العلاقات المترابطة، وتصعب المفاضلة بين حلقات السلسلة، واحدنا يتكامل بالآخر، والواقع هو سيدنا الحكيم.

Top